الصفحة 92 من 375

على حزن كما مر من ضرب المثال بالأنين .

أما المعنى الآخر الذي اشترطه مرلوبونتي (وهو وجود معنى غامض ضئيل كحزن غير عميق) فغير صحيح، لأن هذا المعنى يوجد كثيرًا، ولكنه ليس من الشرط أن يوجد دائمًا، وإنما يوجد مصدره المصاحب لمصدر الإحساس بالجمال .

ومن حجج سارتر على إبعاد الشعر عن قبول الالتزام ما بينه بقوله:"إذا فهمت عرفًا من الورود الأبيض أنها رمز الوفاء فذلك لأني لم أعد أحسبها ورودًا، بل يخترقها نظري راميًا من ورائها إلى ذلك المعنى التجريدي . يعني الوفاء."

إني أنساها، ولا أحفل بغزارتها المتوثبة كالزبد، ولا بعَرفها- بفتح العين- المستوفز . إنني لم أُعرفها انتباهًا .

ومعنى هذا أني لم أسلك حيالها مسلك فنان . ذلك أن الفنان يعد اللون وطاقة الزهر ورنين المعلقة في الصحون أشياء في ذاتها وفي أعلى درجات وجودها، ويتأمل في صفات اللون أو الشكل، ويطيل فيها التأمل مبهورًا بجمالها، وينقل على لوحته ذلك اللون الموضوعي نفسه . وكل ما يعتريه من تغير هو أنه جعل منه موضوعًا خياليًا.

فالفنان إذن أبعد ما يكون عن عد الألوان والأصوات لغة من اللغات"."

قال أبو عبدالرحمن: شرح سارتر الكيفية التي لها أصبح الورد الأبيض ذا مدلول عرفي . وليس هذا محل خلاف. إنما محل النزاع ما ادهاه من أن الفن لا مدلول له غير المتعة الجمالية، ولهذا أصبح غير قابل للالتزام .

فتفسير سارتر لكيفية الدلالة لا يعني البرهنة على انتقاء الدلالة .

واللون مادة الفنان التشكيلي، وكل لون له إيحاء موضوعي يرمز به الفنان شاعرًا أو ناثرًا ورسامًا، فيصبح هذا الرمز مدلولًا عرفيًا، وهذه الدلالة زائدة على المعنى الجمالي الخالص، وبهذا أصبح الفن بريئًا من دعوى الخلص المطلق، وأصبح ذا دلالة .

والدلالة الأدبية والفنية أثرى وأمتع من الدلالة القاموسية، فعلى سبيل المثال رواية بلزاك عنوانها زنبقة الوادي، وهو مدلول فني رمزي موفق لا يليق به أي دلالة قاموسية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت