الجواب: بلى، ملايين البشر في عهد الإمام البخاري، لكن الذي رفعهم وأعلى شأنهم خدمة هذا الدين بالعلم والعمل وبذل النفس في ذلك، أنا لا أريد أن أتوسع في بيان سيرهم وهي جديرة بذلك، ولكن أُحيل إلى تراجمهم، اقرؤوا سيرهم، اقرؤوا أخبارهم، سترون العجب، علم وعمل، رحلة في طلب سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، شظف في العيش، تقلل من الدنيا، صيام وقيام، بذل وتضحية، يا إخوتي يجب أن نبين للجيل الآن سير السلف الصالح ليقتدوا بهم بدل أن يقتدي شبابنا وبناتنا بهؤلاء الذين لا يملكون فكرا ولا ثقافة ولا دنيا، إنما هو لهو وطرب وغناء، فقل لي بربك متى ترتفع أمتنا وهؤلاء هم قدوتهم؟! أدع الإجابة لك .. فيا طالب العلم سل نفسك ماذا قدمت لأمتك؟ أين الدروس والجد فيها؟ أين الدعوة والتضحية في سبيل الله؟ لماذا بعض طلبة العلم يجلسون في قُراهم؟! يجلسون في أحيائهم لا نرى منهم كلمة ولا درس ولا هم في الدعوة! لماذا هذا الشيء؟ ... فيا أخي طالب العلم اقرأ سير أولئك الأعلام وابذل جهدك ولا تقل فلان وفلان واعمل وسترى التوفيق بإذن الله عز وجل.
-الوقفة الثانية:
أن هؤلاء الأئمة مع جلالتهم ومكانتهم اُبتلوا بمحن، اقرؤوا سيرهم وأخبارهم، هذا الإمام الكبير الذي قل نظيره، الإمام البخاري - رحمه الله -، ربما لا يعرف الكثير من الحضور والمشاهدين والمشاهدات أنه مرت به محنة عظيمة، صبر لها صبرا لا مثيل له، وكان أصحابه يقولون له أيام المحنة: إن بعض الناس يقع فيك، فيقول: (( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) )... الله أكبر! ويقول أيضا: (( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) ).
ما أحسن أن يتفطن طالب العلم والداعي لذلك الشيء، وقال له بعض الناس: كيف لا تدعو على هؤلاء؟! [والإمام البخاري من ترجمته وسيرته مستجاب الدعوة] فقالوا: لماذا لا تدعو على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويتهمونك؟ فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اصبروا حتى تلقوْني على الحوض"..
انظر أدّبته السنة! أين نحن يا طلبة العلم من هذا الكلام؟ أين حب الآخر؟ أين الذين يقعون في أعراض الناس يتأملون هذه السير؟! قال له بعضهم: يا أبا عبد الله [يقصد البخاري] إن فلان يكفرك! فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما".
أين الذين يتسرعون في الكفر يشاهدون كيف منهج الأئمة المتقدمين الحفاظ في التحفظ من التكفير إلا بالضوابط (اجتماع الشروط وانتفاء الموانع) ؟! وكان في المحنة دائما يقول: (( إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) )، ولما مُنع الإمام البخاري من نشر العلم ظلما وبهتانا وفي ذلك حكمة من الله عز وجل لرفع درجته، خرج إلى قرية قريبة من سمرقند وكان مستجاب الدعوة، وقال بعد أن فرغ من ورده: اللهم إنها وقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك. فما تمّ شهر حتى مات.
فمثل هذه الدروس لا بد أن يتفطن لها طالب العلم، ويعلم أن في الطريق حسادا لا هم لهم إلا قطع الطريق، فإذا اُبتليت بهذا الصنف يا أخي، فاعلم أن هذا مما تؤجر عليه، فاعرض عن هذا الصنف، دعهم يتكلمون، دعهم يخوضون في عرضك، واعلم أنك ستؤجر على هذا، وقد قال الإمام البخاري في كلام عظيم له: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا.