الصفحة 82 من 138

تحرٍّ شديد في كتابه.

-أمر آخر: الكتاب، نفس الكتاب تتأمل فيه، كيف منهج الكتاب؟ لتخرج بمنهج المؤلف فيه، هنا أقول: وربما أورد بعض من ألّف على الأبواب أحاديثا ضعيفة لأسباب:

1 -السبب الأول: ربما يكون ليس عنده النقد الدقيق للأسانيد؛

2 -وإما للذهول عن ضعفها، يعني إما لقلة معرفة بالنقد أو للذهول عن ضعف ذلك، هذه التي قالها ابن حجر، وأنا أزيد أمرا ثالثا؛

3 -وهو أنه ربما تقصّد المؤلف أن يورد الأحاديث الضعيفة وأضرب على ذلك مثال، بسنن الدارقطني.

سنن الدارقطني مرتبة على المسانيد أم على الأبواب؟ على الأبواب ولكن مما يغفل عنه كثير من طلبة العلم بل وربما من طبقة راقية في علم الحديث، لا يتفطنون أن الدارقطني قصد بتأليف هذا الكتاب جمع الأحاديث الغرائب والضعيفة والمنكرة التي يحتج بها الفقهاء، ولذلك كثيرا ما يُطرح من بعض طلبة العلم وقد سُألت عددا من المرات قالوا: الدارقطني إمام كبير في العلل وتعقب البخاري ومسلم وله انتقادات وله تتبع، فكيف وهو بهذه الجلالة وقد ألّف كتابه العلل يورد في سننه أحاديثا ضعيفة؟! هذا فيه نوع من التناقض -يقولون-!

أقول: لا، بل إن بين الكتابين تكامل، فقد قصد الدارقطني بتأليف كتابه هذا بيان الأحاديث الضعيفة والمنكرة التي يحتج بها الفقهاء وقد نص على ذلك الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الزيلعي وابن عبد الهادي وكبار النقاد، هنا أمر شبه متفق عليه بين نقاد الحديث، ولذلك تأملوا هذه النكتة، ولذلك الإمام الدارقطني في سننه لم يبوّب السنن، هذا يغفل عنه كثير من طلبة العلم، لم يبوّب سننه؛ مثل من؟ مثل الإمام مسلم، ما بوّب سننه، ربما يقول قائل منكم: طيب لو أننا فتحنا الكتاب لوجدنا أن الكتاب مبوّب، أقول: نعم؛ الذي بوّب الكتاب هم النسّاخ الذي نسخوا هذا الكتاب وكذلك الطابعين المحققين هم الذين وضعوا هذه الأبواب، وفي رأيي أن هذا العمل غير جيد، فالدارقطني إمام كبير كان باستطاعة الدارقطني أن يبوّب سننه وهو قادر على ذلك، فكيف تتجرأ على أن تبوّب كتابا مؤلفه لم يبوّبه؟! قال بعض الذين بوّبوا الكتاب: نحن نقتدي بالإمام النووي فإن الإمام النووي بوّب صحيح مسلم، وهذا عندي فيه نظر، لأن الإمام النووي لم يبوّب صحيح مسلم، الإمام النووي إنما بوّب شرحه المنهاج، لم يأت الإمام النووي إلى صحيح مسلم ويبوّب صحيح مسلم إنما بوّب شرحه المنهاج، فلمّا حقق محمد فؤاد عبد الباقي صحيح مسلم أخذ التبويبات ووضعها في صحيح مسلم وقد وقع في الحقيقة أخطاء علمية شنيعة بسبب هذا العمل، فبعض الناس قال: إن مسلم يرى كذا وكذا والدليل أنه بوّب في صحيحه، ما تفطن أن التبويبات ليست من الإمام وكذلك قُل .. وقد مرة على طلابي في المحاضرة قلت لهم: ما رأيكم لو أن طالبا أخذ موضوع فقه الدارقطني من خلال تبويباته، فشرّقوا وغربوا ولم يتفطن أحد منهم لهذه المسألة! واحد يقول: بحث جيد والآخر يقول .. ، ما فطنوا أن الدارقطني أصلا لم يبوّب سننه، فتلاحظون هذه المسألة المنهجية التي ينبغي التفطن لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت