على النص ببيان درجة الحديث الذي لم تُبيّن درجته بالمصدر المحقق وبناء عليه شرع الشيخ أحمد شاكر -رحمة الله عليه- بتحقيق المسند من جديد وكان هذا بدايته عام 1948 م، واستمر في عمله هذا على منهج يعتبر بمستوى عصره منهج دقيق لأنه كان يحقق النص ويوثقه، يحققه بالعودة أو بالتطبيق للمصادر الخطية ويوثقه بالتخريج وهو تخريج الحديث بنفس الطريق الذي أورده فيه في المصدر المحقق أو بأقرب متابعة لهذا الطريق، ولذلك نجد الشيخ أحمد شاكر - رحمة الله عليه - في تخريجه للمسند يحيل أو يُخرّج بعض أحاديثه من فتوح مصر لابن عبد الحكم، لأن السند الذي رُوي به الحديث في فتوح مصر يوجد متابعة أتم له في مسند الإمام أحمد، ولم نكن نعرف قبل الشيخ أحمد شاكر هذا النوع من توثيق .. تحقيق المخطوطات الحديثية على الأقل فضلا عن غيرها، ثم زاد الشيخ أحمد شاكر - رحمة الله عليه- على ذلك أنه كان يحكم على الحديث بناء على أن الإمام أحمد في مسنده والمسانيد أكثرها لا تحكم بالصحة أو الحسن أو الضعف وإنما يوجد فيها كلام على بعض الأحاديث دون بعض، فكان الشيخ أحمد شاكر يحكم على الحديث بما يراه من صحة أو حسن أو ضعف ويعلل ذلك في أحيانه، وقد يترك التعديل في أحيان أخرى، واستمر على هذا المنهج حتى وصل إلى الجزء السابع عشر من المسند وهو يساوي قرابة ثلث المسند ثم وافته المنية وترك مسوّدات لم يكن أعدّها، فإحدى زوجتيه ذهبت بهذه المسوّدات إلى فضيلة الإمام الشيخ عبد الحليم محمود -رحمه الله-، ودفعتها إليه لكي يعهد بهذه المسوّدات لأحد طلبة العلم ليخرجها تكملة لعمله وبناء على ذلك كلّف فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود -رحمه الله- اثنين من أساتذة الحديث في كلية أصول الدين وهما الأستاذ الدكتور حسيني عبد العزيز هاشم -رحمه الله- والأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق حاليا وقام الاثنان بإخراج هذه المسودات وتكملتها في أجزاء صغيرة هي الجزء الثامن عشر والتاسع عشر والجزء العشرين، وبعد ذلك توقفت مسوّدات الشيخ -رحمة الله عليه- وتوقف أيضا عمل الشيخين وبدأ من هذا المكان غيرهما ممن لا يصل إلى مستوى الشيخ أحمد شاكر في الدقة في تحقيق النص ولا التوثيق في التخريج ولا الحكم على الحديث؛ أكمل الكتاب على منهج آخر وخرج الكتاب بتكملته وبقي الناس يتداولونه على هذا القصر، كان الفرق بين طبعة الشيخ أحمد شاكر -رحمة الله عليه- وبين الطبعة الميمنية هو أن الطبعة الميمنية ظهرت بعد الوقوف على نسخ أخرى من مخطوطات المسند أنها تنقص كثيرا، وفي عام 1412 هـ أخرج الشيخ محمود الحدّاد قطعة سماها صلة المسند، ذكر فيها نحو مائتي صفحة من أحاديث ومسانيد لم توجد في الطبعة الميمنية وسمّى هذا الجزء صلة المسند وعنوانه: الساقط من نشرة مسند الإمام أحمد، ومع أنه لم يستنفد .. لم يوف في هذه القطعة كل الساقط إلا أنه قدم دليلا ماديا على أن الطبعة الميمنية بها نقص ليس بقليل، ولما لم يكن هناك توثيق كاف لتكملة الطبعة بعد الشيخ أحمد شاكر والدكتور الحسيني والدكتور أحمد عمر هاشم، فاتجهت همّة معالي الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي إلى أن يخرج طبعة جديدة محققة مختومة من مسند الإمام أحمد، ولا يتسع المقام أن أطيل بشأن هذه الطبعة ولا في شأن جهود معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي لأن لولا أن الله عز وجل هيأ لهذه الطبعة مثل هذا الرجل في اعتنائه وفي همته وفي متابعته لكان يمكن أن يكون مصير هذه الطبعة هو مصير طبعات كثيرة خرجت للمسند ولم تكن على المستوى المطلوب، وهيأ الله سبحانه وتعالى أن