لقد أحب الإمام البنا هذا الأدب للدعاة ، ووضع له منهجًا بحيث"يرفع أخوتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات" (1) ، ورأى رحمه الله من تآخي الرعيل الأول ما أقر عينه حيًا ، وبرهان وفاء محبيه من بعده أن يكونوا دومًا عند محاسن هذا الأدب ، و أن يفيئوا إليه عند أول انتباهه إذا أنستهم الغفلات .
إنها نعمة الأخوة .
يجعلها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أثمن منحة ربانية للعبد من بعد نعمة الإسلام فيقول: ( ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرًا من أخ صالح ، فإذا رأى أحدكم ودًا من أخيه فليتمسك به ) .
و يسميها التابعي مالك بن دينار: روح الدنيا ، فيقول: ( لم يبق من روح الدنيا إلا ثلاثة: لقاء الإخوان ، و التهجد بالقرآن ، وبيت خال يذكر الله فيه ) . و يحكر لها الشاعر صفة الذخيرة ، فيقول:
لعمرك ما مال الفتى بذخيرة و لكن اخوان الثقات الذخائر
و لهذا كثرت توصية السلف باتقان انتقاء الأخ الصاحب ، لتصاب الذخيرة الحقة ، والروح الحقة ، فكان من وصايا الحسن البصري سيد التابعين أن: ( إن لك من خليلك نصيبًا ، وأن لك نصيبًا من ذكر من أحببت ، فتنقوا الاخوان و الأصحاب والمجالس ) (2)
فأما أولًا: فقد عمموا صفة الخيرية بإطلاق تحكم الانتقاء ، وعبروا عن ذلك بقولهم:
أنت في الناس تقاس بالذي اخترت خليلًا
فاصحب الأخيار تعلو و تنل ذكرًا جميلًا (3)
ثم خصصوا ففسروا الخير بالتقوى ، وقالوا:
نافس ، إذا نافست في حكمة آخ ، إذا آخيت ، أهل التقى
ما خير من لا يرتجي نفعه يومًا ، ولا يؤمن منه الأذى (4)
ثم زادوا و ذهبوا أبعد ، فعددوا صفاتهم ، يعينونك على دقة الاختيار .
(1) رسالة التعاليم / المجموعة 28 .
(2) كتاب الزهد لابن المبارك 232 .
(3) نفح الطيب للمقرى 8/67 .
(4) لأبي العتاهية في ديوانه 25 .