بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من الله تعالى ، الكثير الذكر للآخرة ، أن يشاغل نفسه عن ذكر الموت ، ليمتد نَفَس أمله قليل ، فيصنّف ، و يعمل أعمال خير" (1) "
مدرسة بغداد تجنح للبساطة
وقد أضافت المدرسة البغدادية من بعد تلك المدارس تطويرًا مهمًا إلى فقه الزهد وكبت الآمال .. يوم أدخلت عنصر البساطة في التذكير على لسان رائدها بشر بن الحارث الحافي لما أتاه آت وطلب منه الموعظة فقال له:
"إن في هذه الدار نملة تجمع الحبَّ في الصيف ، فتأكله في الشتاء ، فلما كان يومٌ: أخذت حبة في فمها ، فجاء عصفور فأخذها والحبّة ، فلا ما جمعت أكلت ولا ما أمَّلت نالت" (2)
هذه هي الحياة عند بشر: إنسان يجمع ، فيأتيه الموت ، فيأخذه وما جمع .
هكذا ، بلا أبيات شعر ، ولا ألوان من الجناس والبديع نطلبها اليوم تشغلنا عن جوهر المواعظ .
لأولي الألباب كفاية بيوميات العصفور والنمل .
ثم بلغت هذه البساطة البغدادية ذروتها لما تولى الإمام أحمد زمام التربية ، فذهب فيها لأبعد مما ذهب قرينه بشر ، فسكت ، حتى أن الكتب تكاد أن لا تورد له في المواعظ قولًا ، وعوّض تلامذته وأجيال الأمة عن ذلك بوجه معبّر كأنه يطلع إلى القيامة ، وصبر على العذاب والإغراء ثبتت به الأمة إزاء دعاية المبتدعة ، وسيرة في التعفف و التقلل تستحي منها نوايا الإثراء .
فلما مات سنة إحدى وأربعين ومائتين ، وانتقل شيخ البخاري الحسن بن عبدالعزيز الجروي من مصر إلى بغداد وسكنها ، وصار في عداد البغداديين: رأى ضرورة استمرار القدوة الصامتة ، فم يأخذ من إرث أبيه شيئًا ، لشبهة خالطته ، وقال:"من لم يردعه القرآن والموت فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع" (3)
(1) صيد الخاطر / 158 طبعة الغزالي .
(2) تاريخ بغداد 3/321 .
(3) طبقات الحنابلة 1/135 .