"أنتم غفل عما القوم فيه ، تواصلون العَناء في الكد على النفوس التي هي عدوتكم . ترضون أزواجكم بسخط ربكم عز وجل . كثير من الخلق يقدمون رضا أزواجهم وأولادهم على رضا الحق عز وجل".
وما بغير البذل ينطق قاموسنا ،"لكن يغلط الجفاة في مسمى الحياة ، حيث يظنونها التنعم في أنواع المآكل و المشارب و الملابس و المناكلح ، أو لذة الرياسة و المال و قهر الأعداء والتفنن بأنواع الشهوات ، ولا ريب أن هذه لذة مشتركة بين البهائم ، بل وقد يكون حظ كثير من البهائم منها أكثر من حظ الإنسان ؛ فمن لم تكن عنده لذة إلا اللذة التي تشاركه فيها السباع و الدواب و الأنعام فذلك ممن ينادي عليه من مكان بعيد . ولكن أين هذه اللذة من اللذة بأمر إذا خالط بشاشته القلوب سلى عن الأبناء والنساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن ، ورضي بتركها كلها والخروج منها رأسًا , وعرض نفسه لأنواع المكاره والمشاق ، وهو متحل بهذا منشرح الصدر به ، يطيب له هجر ابنه و أبيه و صاحبته و أخيه لا تأخذه في ذلك لومة لائم ، حتى أن أحدهم ليتلقى الرمح بصدره و يقول: فزت و رب الكعبة . و يستطيل الآخر حياته حتى يلقي قوته من يده و يقول: إنها لحياة طويلة إن صبرت حتى آكلها ، ثم يتقدم إلى الموت فرحًا مسرورًا" (1)
هذا ما نعرفه من شأن الداعية . لا يكون كامل العبودية لله حتى يصل إلى مثل حال إبراهيم عليه السلام ، لما استسلم وأطاع ووضع السكين على حلق ابنه ....
و بهذا وصفه اقبال ..
ليس يدنو الخوف منه أبدًا ليس غير الله يخشى أحدًا
لحنه في القلب نارًا اشتعلًا من قيود الزوج والولد خلا
معرض عما سوى الله الأحد يضع السكين في حلق الولد (2)
(1) مفتاح دار السعادة 1/35 .
(2) ديوان الأسرار و الرموز /39 .