فلأن الإسلام كله عبودية لله تعالى ، فإن العبد التام العبودية الذي سماه الجنيد , هو وحده الحر في هذا الوجود دون غيره من أسارى الشهوات واجتهادات العقول القاصرة , وهذا التعبير الجميل ورثه الجنيد عن أفضل الزهاد العباد: الفضيل بن عياض رحمه الله ، إذ أبرز الفضيل بمقابل الحرية مما سوى الله: واجب المسلم في تجريد الربانية له واطراح كل ربانية لأحد من الخلق يريد أن يفرضها عليه بثمن مادي ، أو بالقسر و الاكراه ، فيقول الفضيل:"والله ، ما صدق الله في عبوديته من لأحد من المخلوقين عليه ربانية" (1) . فالمسلم يفرد الله بالعبادة ، و إفراده بالعبادة يقتضي أن يعلن بصراحة ووضوح براءته مما يعبد الغير ، ومما يشرعون لأنفسهم ، و يجهر بذلك مفاصلًا ، كما فاصل نبي الله هود عليه السلام قومه بقوله: { إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تُنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قومًا غيركم ولا تضرونه شيئًا إن ربي على كل شيء حفيظ }
(1) مجموع فتاوي ابن تيمية 10/599 .