"إنها انتفاضة التبرؤ من القوم - وقد كان منهم وكان أخاهم - وانتفاضة الخوف من البقاء فيهم وقد اتخذوا غير طريق الله طريقًا . وانتفاضة المفاصلة بين حزبين لا يلتقيان على وشيجة ، وقد انبتّت بينهما وشيجة العقيدة . وهو يشهد الله على براءته من قومه الضالين وانعزاله عنهم وانفصاله منهم ، ويشهدهم هم أنفسهم على هذه البراءة منهم في وجوهم ، كي لا تبقى في أنفسهم شبهة من نفوره و خوفه أن يكون منهم . و ذلك كله مع عزة الإيمان و استعلائه ، و مع ثقة الإيمان واطمئنانه ! وإن الإنسان ليدهش لرجل فرد يواجه قومًا غلاظًا شدادًا حمقى ، يبلغ بهم الجهل أن يعتقدوا أن هذه المعبودات الزائفة تمس رجلًا فيهذي ، و يروا في الدعوة إلى الله الواحد هذيانًا من أثر المس ! يدهش لرجل يواجه هؤلاء القوم الواثقين بآلهتهم المفتراه هذه الثقة ، فيسفه عقيدتهم و يقرعهم عليها و يؤنبهم ، ثم يهيج صراوتهم بالتحدي لا يطلب مهلة ليستعد استعدادهم ، ولا يدعهم يتريثون فيفثأ غضبهم . إن الإنسان ليدهش لرجل فرد يقتحم هذا الاقتحام على قوم غلاظ شداد ، و لكن الدهشة تزول عندما يتدبر العوامل و الأسباب ."
إنه الإيمان ، و الثقة ، و الاطمئنان . و الإيمان بالله ، و الثقة بوعده ، و الاطمئنان إلى نصره ، الإيمان الذي يخالط القلب ، فإذا وعد الله بالنصر حقيقة ملموسة في هذا القلب لا يشك فيها لحظة ، لأنها ملء يديه ، وملء قلبه الذي بين جنبيه ، وليست وعدًا للمستقبل في ضمير الغيب ، إنما هي حاضر تتملاه العين و القلب" (1) "
{ إن ربي على صراط مستقيم } ..
(1) في ظلال القرآن 12/97، 98 .