"فهي القوة والاستقامة والتصميم . وفي هذه الكلمات القوية الحاسمة ندرك سر ذلك الاستعلاء وسر ذلك التحدي . إنها ترسم صورة الحقيقة التي يجدها نبي الله هود عليه السلام في نفسه من ربه . أنه يجد هذه الحقيقة واضحة . إن ربه ورب الخلائق قوي قاهر: { ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها } ، وهؤلاء الغلاظ الأشداء من قومه إن هم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربه بناصيتها و يقهرها بقوته قهرًا ، فما خوفه من هذه الدواب و ما احتفاله بها ، وهي لا تسلط عليه - إن سلطت - إلا بإذن ربه ؟ وما بقاؤه فيها وقد اختلف طريقها عن طريقه ؟ إن هذه الحقيقة التي يجدها صاحب الدعوة نفسه ، لا تدع في قلبه مجالًا للشك في عاقبة أمره , ولا مجالًا للتردد عن المضي في طريقه . إنها حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب الصفوة المؤمنة أبدًا" (1) .
وقد فقه الإمام البنا رحمه الله هذه النظرية في المفاصلة ، فنادى بوجوب تربية النشء وفق معانيها ، وأوضح أن مستقبل الإسلام إنما يعتمد على"هذا النشء الجديد ، فأحسنوا دعوته ، وجدوا في تكوينه ، وعلموه استقلال النفس والقلب ، واستقلال الفكر والعقل ، واستقلال الجهاد و العمل , واملأوا روحه الوثابة بجلال الإسلام وروعة القرآن ، و جندوه تحت لواء محمد ورايته ، و سترون منه في القريب الحاكم المسلم الذي يجاهد نفسه و يسعد غيره" (2) ... فهو قد عبر عن المفاصلة بالاستقلال ، كما عبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنها بالهجر . فاستقلال النفس والقلب هو المفاصلة الشعورية في الضمير ، و العزة و الاستعلاء .
(1) في ظلال القرآن 12/97، 98 .
(2) تحت راية القرآن ، المجموعة / 319 ، 321 .