ويمتاز أبو تمام عن شعراء عصره بأنه صاحب مذهب جديد في الشعر، يقوم على الغوص في المعاني البعيدة التي لاتُدْرَك إلا بإعمال الذهن، والاعتماد على الفلسفة والمنطق في عرض الأفكار وإلباسها صورًا من التشبيهات والاستعارات والكنايات. ويقوم فن أبي تمام على الصنعة البديعية. فلهذا تراه يكثر منها كما يكثر من الألفاظ الغريبة، إلا أن شعره يمتاز بقوة العاطفة وحرارتها، مماجعل شعره محببًا إلى النفوس. غير أن شعره يتفاوت سموًا ودنوًا مما حدا بتلميذه البحتري أن يقول:"جيد أبي تمام خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه". وقد نشأت دراسات كثيرة تناولت فن أبي تمام في أغراض شعره أو مذهبه الأدبي أو في مؤلفاته أو في الحركة النقدية التي تبلورت حوله. وقصائده المشهورة أكثر عددًا من أن تحصى أو يشار إليها. ومن أبياته السيارة:
لاتنكري عطل الكريم من الغنى
فالسيل حرب للمكان العالي
كذلك قوله:
لاتنكروا ضربي له من دونه
مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره
مثلًا من المشكاة والنبراس
وقوله:
اصبر على مضض الحسود
فإنّ صبرك قاتِلُه
فالنَّار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله
وقوله:
أحلى الرجال من النساء مواقعًا
من كان أشبههم بهنّ خدودا
وقوله يصوّر أيام عشقه الماضية:
أعوام وصل كاد ينسي طولها
ذكرُ النَّوَى فكأنها أيام
ثم انبرت أيام هجر أردفت
بِجَوىً أسىً فكأنها أعوام
ثم انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام
وكذلك قوله:
مسترسلين إلى الحتوف كأنما
بين الحتوف وبينهم أرحام
آسادُ موتٍ مُخْدَرات مالها
إلا الصوارمُ والقنا آجامُ