فلما فرغ من إحكام هذه الفنون تفرغ للنوادر والمجون والملح، ثم أخذ في قول الشعر فبزَّ أقرانه، وبرع على أهل زمانه، ثم اتصل بالوزراء والأشراف، فجالسهم وعاشرهم، فتعلّم منهم الظرف والنظافة، فصار مثلًا في الناس، وأحبه الخاصة والعامة، وكان يهرب من الخلفاء والملوك بجهده ويُلام على ذلك فيقول: ¸إنما يصبر على مجالسة هؤلاء الفحول المنقطعون·. قال أبو عمرو الشيباني: ¸لولا ما أخذ فيه أبونواس من الرفث لاحتججنا بشعره؛ لأنه محكم القول·. ويقول النقاد: ¸إنما نفق شعر أبي نواس على الناس لسهولته وحسن ألفاظه، وهو مع ذلك كثير البدائع، والذي يراد من الشعر هذان·.
وفي سنة 170هـ توجّه، أبو نواس إلى بغداد، واتصل أول الأمر بالبرامكة، وبعد زوال دولتهم توجّه إلى مصر فمدح واليها الخصيب، ثم رجع إلى بغداد فأصبح نديمًا للخليفة المأمون بعد أن كان نديمًا لوالده الرشيد. كان في زمانه يمثّل شاعر المجون إزاء منافسه أبي العتاهية الذي يمثّل شاعر الزهد. وكانت في شعره نزعة شعوبية.
استخدم الأنماط الشعرية التقليدية ثم سخر منها وثار عليها، وتمرد على القيم الاجتماعية في عصره. طرق جميع الفنون الشعرية فأجاد فيها كلها، من مدحٍ ورثاء وغزل وخمريات ومجون ووصف وهجاء وعتاب وزهد وطرد، وقاده هذا الفن الأخير إلى شعر الرجز الذي ضمنه وصف مشاهد الصيد بما يسمى الطرديات، ومع كل تلك الفنون عرف شعره فن الزهد وخاصة في أواخر حياته، وربما كان ذلك لشعوره بالإثم.
ومن أبياته السيارة قوله:
لا الحزنُ مني برأي العين أعرفُهُ
وليس يعرفني سهل ولاجَبَلُ
لا أنعت الرَّوض إلاّ ما رأيتُ به
قصرًا منيفًا عليه النخل مُشْتَمِلُ
فهاك من صفتي إن كنت مُختبِرًا
ومخبرًا نفرًا عني إذا سألوا
وقال في مرض موته مستغفرًا طالبًا العفو والغفران:
دبّ فيّ السّقام سُفْلًا وعلوا
وأراني أموت عُضوا فعُضْوا
ذهبت جدَّتي بطاعَةِ نفسي
وتذكّرتُ طاعة الله نِضْوا