فهرس الكتاب
وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الرواية التالية: "رأيت نورًا" معناه: رأيت النور، فحسبُ، ولم أر غيره. انتهى كلام النوويّ (١) .
وقال القرطبيّ - رَحِمَهُ اللهُ -: قوله: "نورٌ أَنَّى أراه؟ " هكذا رويناه، وقيّدناه برفع "نورٌ" وتنوينه، وفتح "أَنَّى" التي بمعنى "كيف" الاستفهاميّة، ورواية من زَعَم أنه رواه: "نورانيّ" ليست بصحيحة النقل، ولا موافقة للعقل، ولعلها تصحيف، وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى حيث قال: "رأيت نورًا" ، ورفع "نورٌ" على فعل مضمر تقديره: غلبني نور، أو حجبني نور، و "أنَّى أَرَاه" استفهام على جهة الاستبعاد لغلبة النور على بصره، كما هي عادة الأنوار الساطعة، كنور الشمس، فإنه يُغشي البصر، ويحيره إذا حدّق نحوه، ولا يعارض هذا "رأيتُ نورًا" ، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه، ثم غلب عليه بعدُ، فضعُف عنه بصره، ولا يصحّ أن يُعتقد أن الله تعالى نورٌ، كما اعتقده هشام الجواليقيّ، وطائفة المجسّمة، ممن قال: هو نورٌ لا كالأنوار؛ لأن النور لون قائم بالهواء، وذلك على الله تعالى محال عقلًا ونقلًا. انتهى كلام القرطبيّ (٢) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "ولا يصحّ أن يُعتقد أن الله نور … إلخ" كلام باطلٌ، كيف لا يُعتقد، وقد صحّت النصوص بذلك؟ ومحاولته الردّ على من قال: نورٌ لا كالأنوار باطلٌ أيضًا، فكيف، وهو نفسه يُثبت لله تعالى ذاتًا، ويقول: لا كذوات المخلوقين، وصفات لا كصفات المخلوقين؟، فكذا قول من قال: إن الله تعالى نورٌ لا يشبه النور المخلوق، بل على ما يليق بجلاله.
والحاصل أن إثبات كون الله تعالى نورًا على الحقيقة دون تشبيه، ولا تعطيل، بل على ما يليق بجلاله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - هو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى) : حديث أبي ذرّ - رضي الله عنه - هذا من أفراد المصنّف - رَحِمَهُ اللهُ -.