ولَمّا تكلَّمَ الخَطّابيّ (388هـ) على حديث النّبيّ - صلى الله عليه وسلم: «ليسَتْ حيْضَتُكِ في يَدِكِ» [1] ، قال: «قد يَفْتحونَ الحاءَ منه، وليسَ بالجَيِّدِ؛ والصوابُ: حِيْضَتُكِ، مكسورةَ الحاءِ. والحِيْضَةُ: الاسم أو الحال؛ يريد: ليسَتْ نجاسَةُ المحيضِ وأذاهُ في يَدِكِ. فأمّا الحَيْضَةُ، فالمرةُ الواحدةُ من الحَيْضِ، أو الدُّفْعَةُ من الدم.» [2] .
غَيْرَ أنَّ القاضيَ عِياضًا المالكيّ (544هـ) [3] ذَكَرَ أنَّ الراجِحَ في الحديث فتحُ الحاءِ في (حَيضَتك) من حيثُ الرّوايةُ والدّرايةُ؛ فقال رادًّا على الخَطّابيّ: «قوله: «إنَّ حَيْضَتك ليسَتْ في يَدِكِ» ، كذا ضَبَطَهُ الرواةُ والفقهاءُ بفتح الحاء. وزَعَمَ أبو سليمانَ الخطّابيّ أنَّ صوابَهُ بكسر الحاء، كالقِعْدَة، والجِلْسَة، يريدُ: حالةَ الحَيْضِ، أو الاسمَ ... ، والذي عندي: أنَّ الصّوابَ ما عندَ الجماعةِ؛ لأنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما نفى عن يَدِها الحَيْضَ الذي هو الدمُ والنّجاسةُ التي يجبُ تجنبُها واستقذارُها، فأمّا حُكْمُ الحيضِ وحالَتُها التي تتصفُ بها المرأةُ، فلازِمٌ ليدِها وجميعِها. وإنّما جاءت (الفِعْلَةُ) في هيئات الأفعال، كالقِعْدَةِ، والجِلْسَةِ ... ، لا في الأحكام والأحوال» [4] .
وقد رَجَّحَ النوويّ (476هـ) ما قاله القاضي عياض، غيرَ مستبعِدٍ في الوقت نفسِهِ رأيَ الخطّابيّ؛ فقال: «وهذا الذي اختارَهُ [5] من الفتح هو الظاهرُ هنا، ولِما قالَهُ الخطابيّ وَجْهٌ، واللهُ أعلم» [6] .
ج. الفرق ين طِلْق وطَلْق:-
قال القرافيّ: «حلالٌ طِلْقٌ - بكسر الطاء -، و: وَجْهٌ طَلْقٌ - بفتحها -.» [7] .
(1) روى هذا الحديثَ مُسْلمٌ (261هـ) في صحيحه (الحديث رقم 689) ، ونَصُّهُ عنده: «إنَّ حَيْضَتَكِ ليسَتْ في يَدِكِ» .
(2) إصلاحُ غَلَطِ المُحَدِّثينَ: 16 - 17. وينظر: غريب الحديث للخطّابي: 3/ 220.
(3) هو أبو الفضل عِياض بن موسى بن عِياض بن عمرون بن موسى اليَحْصُبِي المالكي. بَرَعَ في الحديث، والتفسير، والأدب، والشعر، والأُصول، والفقه، والعربيّة. من أهم كتبه: (الشفا في التعريف بحقوق المصطفى) ، و (مشارق الأنوار) ، و (شرح مسلم) . (ينظر: الفكر السامي: 4/ 260 - 261) .
(4) مشارق الأنوار على صحاح الآثار: 1/ 217 - 218.
(5) أي عياض.
(6) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجَّاج: 3/ 202.
(7) نفائس الأُصول في شرح المحصول (في تقسيم الأحكام الشرعية) : 1/ 275.