وتشترك صيغة (فُعَالَة) مع (فُعَال) في الدّلالة على القلّة والحقارة وما يُسْتَصْغَرُ من الأمور ويَهُون، ولذا رأى الدكتور حسن ظاظا أنَّ هاتين الصّفتين هما أصلان لصيغَتَي التّصغير القياسيّتين في العربيّة: ّ (فُعَيْل) ومُؤَنَّثِهِ (فُعَيْلَة) [1] .
وتشترك (فُعَالَة) مع (فِعَالة) في كثير من الأمثلة كما ذكرتُ آنفًا، ومع (فَعَالة) أيضًا؛ فيُقال: «في صوتِهِ رَفَاعَةٌ ورُفَاعَة، إذا كان رفيعَ الصّوتِ، و: عليه طُلاَوَةٌ وطَلاَوَة، للحُسْنِ والقَبول.» [2] . ومن النّحاة من يُخْرِجُ (فُعَالَة) من دائرة المصادر إن دلَّتْ على الفَضَلات؛ قال أبو عليّ الفارسيّ (377هـ) : «ليستْ هذه بمصادِرَ مُحَقَّقَةٍ، وإنّما هي موضوعةٌ موضوعَ المفعولِ، وهي تدلّ على ما تدلّ عليه الفَعِيْلَةُ التي هي بمعنى الفَضْلَةِ، كالبَقِيَّة، والتَّلِيَّة، والتَّريكَة.» [3] .
وقد اسْتَصْحَبَ القرافيّ - في موضع آخر - ما ذَكَرَهُ من أنَّ الأصْلَ في صيغة (فِعالَة) كونُها لما هو صَنْعَة، وفي (فَعالة) أنَّها للسجايا، فَذَكَر أنَّ مقتضى ذلك ترجيحُ الكسر في دال (الدِّلالة) ، لأنّها مُعَاطاةٌ من المُسْتَعْمِل، أمَّا (الدَّلالة) فكالسجيّة للّفظ [4] .
وقد ذَكَرَ ابن مكّيّ الصّقليّ (501هـ) [5] فرقًا بين (الدِّلالة) و (الدَّلالة) قريبًا ممّا ذكره القرافيّ؛ فقال: «وقد فَرقَ قومٌ بينهما، فقالوا: دليلٌ من أدلةِ العِلْمَ بَيِّنُ الدَّلالةِ - بالفتح -، إذا كان واضحًا، ودَلاّلٌ (أي سِمْسار) بَيِّنُ الدِّلالةِ - بالكسر -، جَعَلوه من الصّناعات.» [6] ، غيرَ أنَّهُ كان قد تَقَدَّم بكلامٍ
يُفيدُ أنَّ الفتح عمومًا أفْصَحُ. وكان ابنُ السِّكِّيتِ (244هـ) قد نَقَلَ من قَبْلُ عن الفرّاء (207هـ) أنَّهُ يُقال: دليلٌ بَيِّنُ الدِّلالةِ والدَّلالةِ، من غير فرقٍ بينهما [7] . وقد تتبَّعَ محمّد
(1) ينظر: كلام العرب من قضايا اللُّغة العربيّة: 39 - 40.
(2) تهذيب إصلاح المنطق: 1/ 314.
(3) المخصَّص: 14/ 136.
(4) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في تفسير دلالة اللّفظ) : 2/ 563 - 564.
(5) هو عمر بن خَلَف بن مَكِّيّ الصِّقِلِّيّ اللُّغويّ المُحَدِّث. من أهم كتبه: (تثقيف اللسان وتلقيح الجنان) . (ينظر: بغية الوعاة: 2/ 218) .
(6) تثقيف اللسان وتلقيح الجَنان: 241.
(7) ينظر: إصلاح المنطق: 111.