العدنانيّ (من المعاصرينَ) هذا الأمرَ في المعجمات، وانتهى إلى أنَّ مُعْظَمَها يَذْكُرُ مصادرَ (دَلَّهُ على الشيء دلالةً) بالكسر، والفتح، والضّم، وانفردَ بعضُها بذكْرِ أنَّ فتحَ الدّالِ أعلى. أمَّا أُجْرَةُ الدَّلال، فهي (الدّلالةُ) بالكسر والفتح، كما نصّتْ معظَمُ المعجمات أيضًا، وأجازَ عبدُ القادرِ المغربيُّ (دُلالة) - بالضّم - أيضًا، وكذلك نجد أنَّ المعجماتِ أجازتْ في حِرفَةِ الدَّلاّل (الدَِّلالة) بالكسر والفتح [1] . لذا، ذَكَرَ الدكتور أحمد محمّد قَدّور أنَّ الفَرقَ الذي ذكره ابنُ مكّيّ ليسَ إلاّ قولًا غيرَ مشهور [2] .
على أنّي لا أرى تعارضًا بينَ ما ذكره ابنُ مكّيّ ومِنْ بَعْدِهِ القرافيّ وما ذَكَرَهُ الآخَرونَ؛ فما ذكراه يَنْسَجِمُ مع الأصل الذي جاءت بِهِ صيغتا (فِعالة) و (فَعالة) من الأبعاد الدّلاليّة في الكثير من الموادّ اللّغويّة التي صيغَتْ على وَفقِهِما، وما ذكره الآخرونَ يُنْظَر إليه من زاوية اتّساعِ اللُّغةِ في إحلالِ الكثير من الصّيغِ بعضِها محلَّ بعضٍ. على أنّي رأيتُ القرافيّ - في موضعٍ آخَرَ - يُعَرِّج على الفرق بين (الجِنازَة) - بالكسر -، و (الجَنَازَة) - بالفتح - من غير استصحابٍ لِشَيءٍ من القواعِدِ المذكورة آنفًا؛ إذ قال - نقلًا عن بعض العلماء: «الجِنازَةُ - بكسرِ الجيم: الميتُ على الّسريرِ، وإذا لم يَكُنْ عليه ميتٌ فهو سريرٌ ونعشٌ، والعامَّة بفتحِ الجيمِ. قال عياضٌ: الفتحُ والكسرُ معًا للميتِ. وقيلَ: للميتِ بالفتحِ، والسريرُ بالكسر؛ فالحركةُ العليا للأعلى، والسفلى للأسفل.» [3] .
ويبدو أنَّ القول الأخير هو الذي عليه حُذّاقُ اللُّغويّينَ؛ إذ قال الخليلُ بنُ أحمدَ الفراهيديُّ (175هـ) بعدَ أن ذَكَرَ أنَّ (الجَِنازة) - بفتح الجيم وكسرها - تقال للإنسان الميت: «وقومٌ يُنكرون الجِنَازَةَ للميّتِ، يقولونَ: الجِنازَة - بكسر الصّدر: خشبة الشَّرْجَع، وإذا ماتَ فإنّ العربَ تقولُ: رُمِيَ في جِنازَتِهِ. وقد جرى في أفواه العامّة (الجَنَازَة) - بنصب الجيم -، والنَّحاريرُ يُنكرونَه» [4] . ومِمَّن صَرَفَ (الجِنَازَة)
(1) ينظر: معجم الأغلاط اللّغويّة المعاصرة: 226.
(2) ينظر: مصنفات اللحن والتثقيف اللُّغويّ حتّى القرن العاشر الهجري: 174.
(3) الذّخيرة (صلاة الجنازة) : 2/ 444.
(4) كتاب العين: 160.