وقد وَجَّهَ الشّافعيّ (204هـ) انصرافَ (القُرء) إلى الحَيض والطُّهر معًا توجيهًا لطيفًا؛ فقال: «القرء: اسم وُضِع لمعنًى؛ فلما كان الحيضُ دمًا يُرْخيهِ الرّحم فيَخْرُج، والطّهرُ دَمٌ يَحْتَبِسُ فلا يَخْرُج، كان معروفًا من لسان العرب أنَّ القرء: الحَبْس؛ لقول العربِ: هو يَقري الماءَ في حوضِهِ وفي سِقائه، وتقول العرب: هو يَقري الطعامَ في شِدْقِهِ، يعني: يَحبس الطعامَ في شِدْقِهِ.» [1] ، فالقرء - على هذا: الحَبْسُ والجمعُ، ومنه: الحيضُ والطّهر؛ ففي الأول يجتمع الدم في الرّحم ثمّ يَخْرُجُ، وفي الثّاني يجتمع الدم في البدن فلا يخرج. ومثلُهُ: الصَّريم، وهو من القَطْعِ، ومنه اللّيلُ والنّهارُ؛ فالأوّل ينصرّم من الثّاني، والثّاني ينصرّم من الأوّل [2] .
ح. الفرق بين: (اللَّحَن) ، و (اللَّحْن) :-
قال القرافيّ: «اختُلِفَ هل اللَّحَنُ واللَّحْنُ بمعنًى واحدٍ؛ بتحريك الحاء وتسكينها؟؛ فقيلَ: هما سواءٌ؛ يُطلق للصوابِ والخطأِ. وقيل: اللَّحْنُ - بالسكون - للخَطَأِ، وبالفَتح للصوابِ، حكاهُ القاضي عياضٌ.» [3] .
ونَقَلَ القرافيّ في موضع آخَرَ عن بعضِ أهل العلم تفسيرَهُ قولَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم: «لَعَلَّ بعضَكم أن يكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ» [4] بأنَّ المعنى: أعْلَمُ بمواقع الحُجج، وأنَّ (اللَّحَنَ) - بفتح الحاء: الفِطْنَة، وبإسكانها: الخَطَأُ في القول [5] .
والقاضي عياضٌ الذي نَقَلَ القرافيّ النّصَّ الأوّل عنه هو القاضي أبو الفَضلِ عياضُ بنُ موسى بنِ عياضٍ اليَحْصُبِيّ السَّبْتيِّ المالكيّ (544هـ) ، وكتابُهُ الذي نُقِلَ منه النّصّ هو (مشارق الأنوار على صحاح الآثار) ، ولكنْ فيه (الفطنة) بدلًا من (الصّواب) في معنى (اللَّحَن) - بفتح الحاء -، والنّصّ هو: «وقوله: «ألْحَن
(1) الأم: 6/ 530.
(2) ينظر: هامش تحقيق ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن: 181.
(3) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 659.
(4) هذا الحديث اتفق على روايتِهِ البخاريّ (256هـ) في صحيحه (الحديث رقم 2680) ، ومُسْلم (261هـ) في صحيحه (الحديث رقم 4448) ، ونَصُّهُ عند البخاري: «إنكم تختصمونَ إليّ، ولعل بعضكم ألْحَنُ بحُجَّتِهِ من بعض، فمن قضيْتُ له بحقِّ أخيه شيئًا بقولِهِ، فإنما أقطع له قطعةً من النار، فلا يأخُذْها» .
(5) ينظر: الذّخيرة (كتاب الأقضية) : 10/ 149.