جاز قولنا: جَلَسْتُ في وَسَطِ القومِ - بالتّحريك -، والمعنى فيه - مع تحركه - كمعناه مع سكونه، ويكون بمعنى (وَسْط) السّاكن السين [1] .
على أنّني رأيت الزّمخشريّ (538هـ) ينقل عن الكسائيّ (189هـ) والفرّاء (207هـ) قولهما عن (وَسَط) و (وَسْط) : «قد يوضَعُ أحدهما مكانَ الآخر؛ فإذا أردتَ العَدْلَ فهو (وَسَط) لا غير، ومنه قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143) .» [2] ، ولكنّه ذَكَرَ أنَّ الأصل هو التّفريق بينهما على وَفق ما ذَكَرَ آنفًا.
ل. الفرق بينَ: (الوَضوء) ، و (الوُضوء) :-
قال القرافيّ: «الوَضوء - بفتح الواو: الماء، وبضَمِّها: الفعلُ. وحُكيَ عن الخليل الفتحُ فيهما، والأوّل أشْهَر، وكذلك الغَسْلُ والغُسْلُ، والطَّهورُ والطُّهور.» [3] .
وما ذَكَرَهُ القرافيّ في مادّتَي (الوضوء) و (الطهور) سَبَقَهُ إليه كثير من أهل العِلم؛ فقد قال ابن الجبّان (ت بعد 416هـ) [4] : «ويُقال للماء الذي يُتَطَهَّر به: (طَهور) ... ، و (الوَضوءُ) : الماءُ الذي يُتَوَضَّأُ به. ورُبَّما سُميَ التَطَهُّر والتَوَضُّؤُ طَهورًا ووَضوءًا - بالفتح -، وقد يُقال: (وُضوء) - بالضم -، و (طُهور) - بالضم: مصدرُ: طَهَرَتِ المرأةُ طُهرًا وطُهورًا.» [5] ، وذَكَرَ ابن مكّيّ الصقلّيّ (501هـ) نحوًا من هذا الكلام [6] . ويبدو أنَّ مَذهبَ الكوفيّين هو أنَّ (الوَضوءَ) هو الاسم، و (الوُضوء) هو المصدر، أمَّا البصريّون فيغلب عليهم القول بأنَّ (الوَضوء) هو الاسم والمصدرُ جميعًا [7] . وقد ذَهَبَ الأزهريّ (370هـ) إلى قريب من هذا المذهب الأخير؛ فبَعْدَ أن ذكرَ نحوًا ممّا ذَكَرَهُ غيرُهُ في (الطَّهور) و (الوَضوء) المفتوحين، قالَ: إنَّ
(1) ينظر: شموس العرفان بلغة القرآن: 59.
(2) شرح الفصيح للزمخشري: 2/ 548.
(3) الذّخيرة (كتاب الطهارة) : 1/ 240.
(4) هو محمد بن علي بن عمر بن الجبّان، أبو منصور. بَرَعَ في اللُّغة، ومن أهم كتبه: (أبنية الأفعال) ، و (شرح الفصيح) ، و (الشامل في اللُّغة) . (ينظر: بغية الوعاة: 1/ 185) .
(5) شرح الفصيح في اللُّغة: 210.
(6) ينظر: تثقيف اللسان وتلقيح الجنان: 262 - 263.
(7) ينظر: هامش تحقيق شرح الفصيح للزمخشري: 2/ 415.