فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 463

أ. أنَّ القرافيّ لم يَقْصُر دراسة الفروقِ على حقل واحد أو حقلين من حقول اللُّغة، بل رَشَفَ من رحيقِ الكثيرِ من علومِها ومشى في مناكبها، وليس هذا بالأمْرِ المألوف في التّراث اللُّغويّ العربيّ عمومًا؛ فمن اليسير أن نَعْثُرَ - فيما خُلِّفَ من تراث - على كُتُب لمؤلِّفينَ تناولوا فيها فروقًا تتعلّق بحقل لغويّ مُعَيّن، كالفروق بين الألفاظ التي يُظَنّ ترادُفُها، أو بين الصّيغ والأبنيّة التي يُتَوَهَّم تساويها في الدّلالة، أو بين الأدوات والتّراكيب التي يُعتَقَدُ أداؤها وَظائفَ نحويّة واحدةً، أو بين القواعد الأُصوليّة اللّغويّة التي يُقَدَّرُ اندراجُ جزئيّات متشابهةٍ تحتَها، أمَّا أن نجدَ مَن يَجمعُ ذلك كلّهُ ضاربًا في كلّ حقل ممّا سَبَقَ بسهمٍ وافرٍ، فإنَّ هذا ممّا يقلُّ ويَنْزُرُ، بل لا يكادُ يُلمَسُ له وجودٌ في غير تراث القرافيّ، خَلا ما قَد يُلْمَحُ من آثارٍ في مصنَّفَات مَنْ تأثَّرَ بتوجّهه وتَقَيَّلَ منهجه ممّن جاء بَعْدَه، وإن لم يستطع هؤلاء بلورةَ منهجٍ مُطَوَّر لما ورِثوهُ من القرافيّ.

ب. أنَّ دراسة الفروقِ بين المسائل اللّغويّة المختلفة لم تكن بطريقة تناولها معزولةً عن السّياقات المختلفة التي تجيءُ فيها، بل كانت تأتي - غالبًا - في ضِمْنِ معالجات أُصوليّة متماسكة، تؤدّي الفروقُ اللّغويّة المختلفةُ فيها دَورًا عضويًّا حيويًّا لا يقلُّ أهمّيّة عن أيّ عُنصر آخَرَ في بنية تلك المعالجات، وهذا أكسَبَها قيمًا دلاليّة أُصوليّة مُسْتَمَدَّةً من مرجعيّتها السياقيّة الكلّيّة، تَشْرُفُ وتَسْمُو على القيم الدّلاليّة الجزئيّة التي ألِفْناها في مصنَّفَات مَنْ كَتَبَ في الفروق في مختلفِ فروع اللُّغة. وهذا مَلْمَح ثان في تناول الفروق في اللُّغة لا نكادُ نجد له أثرًا عند غير القرافيّ، إلا ما قد يَظْهَرُ - على استحياء - في بعض آثار مَن نَهَلَ مِن معينِهِ، وصَدَرَ عن تراثِهِ.

وقد كان هذا المنحى التجديديّ عند القرافيّ في معالجة الفروق في فروع اللُّغة المختلفة ممّا حَفَزَني على دراسته دراسةً معمقةً في رسالة الماجستير. وأزيدُ على ذلك رغبتي الشديدة في أن يُسْهِمَ بحثي في نفض غُبار القرونِ عن شخصيّة فذّة في تاريخنا العربيّ الإسلاميّ، اجتَمَعَتْ فيها دقّةُ اللغويّينَ والنّحويّينَ في جمعهم المادّة العلميّة، ومعرفتهم التامة بكيفيّة بناء الكلمات في أنفُسها أو في تراكيبَ مختلفةٍ، وعُمقُ الأصوليينَ في دراستهم دلالاتِ الألفاظِ، وحُسْنِ استدلالهم عليها في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت