بناءات أُصوليّة مُحْكَمَةٍ تُعْوِزُ الكثيرَ من المشتغلينَ باللُّغة الذين لم يتسَنَّ لهم الاطّلاعُ المُدَقِّقُ على علم أُصول الفقه.
وممّا زادني رغبةً في بحث هذا الموضوع أنني لم أرَ - على كثرة البحث وطُول التّقصّي - مَنْ أفردَ لما يتعلّق به دراسةً مستقلّةً؛ إذ لم أعْثُرْ على دراسةٍ تبحثُ ظاهرة الفروق في اللُّغة بمفهومها العامّ الشامل لميادينها المختلفة، أي في (الفِكْر الفروقيّ اللُّغويّ) - إن صح التعبير -؛ فكلّ ما وَجَدتُه كان دراساتٍ للفروق في حقل لغويّ معيّن، كأن يكونَ دراسةً للفروق بينَ الألفاظ اللّغويّة، وأوسَعُ ما كُتِبَ فيها أطروحةُ الدكتوراه للطّالب علي كاظم مَشْري، الموسومة بـ (الفروق اللّغويّة في العربيّة) ، أو دراسةً للفروق النّحويّة الوظيفيّة، ومثالُها أطروحةُ الدكتوراه للطالب شهاب أحمد إبراهيم، الموسومة بـ (الفروق النّحويّة في اللُّغة العربيّة) ، ولم أجِدْ مَنْ كَتَبَ في الفروق بينَ القواعد الأُصوليّة اللّغويّة، فضلًا عن أن أقَعَ على بحثٍ يَجْمَعُ الفروقَ في كلّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ.
وكذلك لم أطَّلِعْ - فيما اطلعتُ عليه - على دراسة مستقلّةٍ تُعْنَى بتناول شخصيّة القرافيّ اللّغويّة أو النّحويّة، على الرّغم من وَفْرَةِ إنتاجِهِ اللُّغويّ والنّحويّ، فضلًا عن أن أعْثُرَ على ما يُجَلّي تفردَهُ في معالجة الفروق في حقول اللُّغة المختلفة، وكلُّ ما وَقَعَ تحت يدي ممّا يتعلّق بشخصيّته اللّغويّة أو النّحويّة كان لا يعدو إشاراتٍ وتنويهاتٍ مقتَضَبَةً سريعةً في الدّراسات التي قَدَّمَ بها المحققون الناشرونَ لكتب القرافيّ بين يدي تحقيقاتهم تلك، ولم تكن تلك الدّراسات الصغيرةُ المجملةُ لِتَرويَ غَليلًا أو تَشْفيَ عليلًا في هذا المجال.
فلمّا كان الأمر كذلك، استَخرْتُ اللهَ تعالى، ثم استشَرْتُ أساتيذي الأفاضلَ في أن أكتبَ في المنهج الذي اختطَّه القرافيُّ لنفسه في دراسةِ الفروقِ في اللُّغة وجهودِهِ فيها، لَعَلّي أُسْلَكُ في سلك مَنْ أسْهَمَ - ولو بنصيب صغير - في إزاحةِ السّتار عن أحد أفذاذ الأُمّة وعظمائها، وإماطةِ اللثام عن جهوده المتميزة المُجَدِّدَة. فوجدتُ من شيوخي وأساتيذي كلّ تشجيع وحَضٍّ، فكان ذلك حافزًا آخَرَ، ودافعًا قويًا لي على الانطلاقِ في فضاء البحث، والسير في آفاقِهِ، راجيًا تسديدَ اللهِ تعالى وعونَهُ وتوفيقَهُ.