عليه - على التّعدية أو الصيرورة، نحو: قَوّى يُقَوِّي، وفَرَّحَ يُفَرِّحُ، وفَزّعَ يُفَزِّعُ [1] ، ولذا فَضَّل الكثير من الأُصوليّين كلمة (التّسخير) على (السّخرية) تعبيرًا عَمّا جاء في قوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} لأجلِ ما في صيغة (التّفعيل) من النَّقْلِ والصيرورة اللائقينِ بمقام الانتقال والتّحوّل من حالةٍ إلى أخرى؛ فقال وليّ الدّين العراقيّ (826هـ) [2] رادًا على القرافيّ: «التّسخيرُ: النَّقل إلى حالة مُمْتَهَنة، وليسَ في السّخريةِ انتقالٌ أصلًا» [3] . أمَّا ما ذكره القرافيّ من أنَّ التسخيرَ نعمة وإكرام، فهذا إنّما هو في حَقِّ المُسَخَّرِ لَهُ لا المُسَخَّر؛ فالليل والنهار، والأنهار، والشمس والقمر مُسَخَّرَةٌ ومُذَلَّلَةٌ في أنْفُسِها، وهي من نِعَمِ الله على الإنسان الذي سُخِّرَتْ له وذُلِّلَتْ لأجْلِهِ.
ج. الفرق بين: (التَّطَيُّر) ، و (الطِّيَرَة) من جهة، وبينهما وبين: (الفأل) من جهة أُخرى:-
قال القرافيّ: «فالتّطير هو: الظّنّ السَّيّئُ الكائن في القلب، والطِّيَرَةُ ...: الفِعْلُ المرتّب على هذا الظّنّ من فِرار أو غيره. وكلاهما حرام، لِما جاء في الحديث الصحيح أنَّهُ صلّى اللهُ عليه وسلّم كان يُحب الفألَ الحَسَنَ، ويكرهُ الطّيرةَ [4] ... وأمَّا الفألُ، فهو ما يُظَنُّ عنده الخيرُ، عكس الطّيرة والتّطيّر.» [5] .
لم يستند القرافيّ فيما ذكره من الفرق بين التَّطَيُّر والطِّيَرَةِ إلى أساس لغويّ مكين كما فعل بعض أهل اللُّغة ولاسيَّما المعجميّينَ منهم كما سيأتي بيانُهُ، وقد ذَكَرَ
(1) ينظر: أبنية الصرف في كتاب سيبويه: 263.
(2) هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم، الكردي الأصل، الرازياني، المهراني، الشافعي، المعروف بابن العراقي، كنيتُهُ أبو زرعة، ولقبه ولي الدّين. بَرَعَ في الحديث والفقه والأُصول والعربيّة. من أهم كتبه: (الإطراف بأوهام الأطراف) ، و (الغيث الهامع شرح جمع الجوامع) . (ينظر: مقدمة تحقيق الغيث الهامع: 1/ 7 - 13) .
(3) الغيث الهامع شرح جمع الجوامع: 1/ 253.
(4) روى البخاري (256هـ) في صحيحه (الحديث رقم 5754) - واللفظُ له -، ومُسْلِمُ (261هـ) في صحيحهِ (الحديث رقم 5759) : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا طِيَرَة، وخَيرُها الفأْلُ» . قالوا: وما الفألُ؟. قال: «الكلمةُ الصالحةُ يَسْمَعُها أحدُكُم.» .
(5) أنوار البروق في أنواء الفروق: 4/ 1367 - 1371. وينظر: الذّخيرة: 13/ 254.