ابن قتيبةَ (276هـ) أنَّ صيغة (فِعَلَة) لم تأتِ في الواحد إلاّ قليلًا، وأنَّ حَقْلَ هذه الصيغة تمثله مجموعة صغيرة من الألفاظ؛ فقال: «قالوا: لم يأتِ (فِعَلَة) في الواحد إلا قليلًا؛ قالوا: (التِّوَلَة) لضرب من السِّحْر، و: هذا سَبْيٌ (طِيَبَةٌ) ، وتقول: إيَّاكَ و (الطِّيَرَةَ) ، و: محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - خِيَرَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ» [1] . وقد جاء في المُعْجَم أنَّ صيغة (تَفَعُّل) من الجذرين (خَيَرَ) و (طَيَرَ) تَدلّ على الفِعل، أمَّا صيغة (فِعَلَة) منهما فتدلّ على الاسم؛ جاءَ في (مختار الصّحاح) تحت مادّة (خ ي ر) : «والخِيَرَةُ - بوزن العِنَبَة: الاسمُ من قولك: اختارَ اللهُ تعالى؛ يقال: محمّدٌ خِيَرَةُ اللهِ من خَلْقِهِ ... والاختيارُ: الاصطفاءُ، وكذا: التَّخَيُّر.» [2] .
وجاءَ فيه تحت مادّة (ط ي ر) : «وتَطَيَّرَ من الشّيءِ وبالشّيءِ، والاسمُ: الطِّيَرَةُ - بوزن العِنَبَة -، وهو ما يُتَشَاءَمُ به من الفأل الرديء» [3] .
وأمَّا ما يتّصل بالعلاقة بين (الطِّيرة) و (الفأل) ، فيبدو أنَّ التّداخُلَ بين مدلوليهما أصله: «أنَّ الرّجُلَ منهم كان إذا أرادَ أمْرًا نَفَّرَ الطَّيْرَ؛ فإن أخَذَ الطيرُ يمينًا تفاءَلوا به، وإن أخَذَ يسارًا تشاءَموا به ... ويقال لطائر اليمين: السّانِح، وللآخَر: البارِح.» [4] ولأجلِ هذا المعنى قال أبو السّعادات بن الأثير (606هـ) [5] : «وقد جاءَت الطِّيَرَةُ بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع، ومنه الحديث: «أصْدَقُ الطِّيَرَةِ الفأل» » [6] ، فمجيئها للجنس إنّما هو لِلَمْحِ أصلها الذي كان ينصرف إلى التّشاؤم والتّفاؤل أوَّلَ الأمْرِ، ثم قُصِرَ مِنْ بَعْدُ على التّشاؤم. وقد بَيَّنَ ابن الأثير سببَ محبّةِ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - الفألَ وكراهَيتهِ الطِّيَرَةَ، فقال: «وإنَّما أحَبَّ الفألَ؛ لأنَّ النّاسَ إذا أمَّلوا فائدةَ اللهِ تعالى، ورَجَوا عائِدَتَهُ عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ، فَهُم على خير، ولو غلطوا
(1) أدب الكاتب: 595.
(2) مختار الصحاح: 81.
(3) مختار الصحاح: 169.
(4) عمدة الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 3/ 1608.
(5) هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيبانيّ، مجد الدّين أبو السعادات الجزريّ الإربليّ المشهور بابن الأثير. بَرَعَ في العربيّة واللغة والحديث، ومن أهم كتبه: (النهاية في غريب الحديث والأثَر) ، و (جامع الأُصول في أحاديث الرسول) ، و (البديع في النحو) . (ينظر: بغية الوعاة: 2/ 274) .
(6) النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/ 406.