فلم يصرف (مرداس) لحاجته لعدم التّنوين في الوزن، وليس فيه إلاّ العَلَمِيَّة، وهي وحدَها لا تَمْنعُ في سَعَة الكلام.» [1] .
والفَرقانِ اللّذانِ تناولهما القرافيّ هنا يتعلَّقان بالضّرائر الشّعريّة؛ أمَّا الفرق الأوّل فهو بين قصر الممدود ومَدّ المقصور؛ إذ ذَكَرَ السيرافيّ (368هـ) [2] ، وأبو البركات الأنباريّ (577هـ) [3] ، وابن عصفور (669هـ) [4] ، وابن هشام (761هـ) [5] ، أنَّ النّحويّينَ أجمعوا على جواز قصر الممدود في ضرورة الشّعر، إلاّ ما كانَ من اشتراطِ الفرّاء (207هـ) ألاّ يقتضيَ القياسُ مَدَّهُ، ومَنْعِ الكسائيّ (189هـ) إيّاه في حالَتَي الرّفع والجرّ، وذلك كلّه مردود بما ذُكَرَ من الشّواهد وغيرها [6] . واختلفوا في جواز مَدِّ المقصور للضرورة؛ فمَنَعَهُ البصريّون، ولم يُجِزْهُ منهم أحدٌ «إلاّ الأخفش وَمَن تبعه؛ فإنَّهُ كان يجيز مدّ المقصور كما أجازَ قصرَ كلّ ممدود من غير استثناء ولا شرط» [7] . فالأمر - إذًا - ليسَ كما قال القرافيّ؛ فالكوفيّون مع البصريّين في جواز قصر الممدود، لكنهم خالفوهم في تجويز مدّ المقصور.
واختيارُ البصريّين الفرقَ بين قصر الممدود ومد المقصور مبنيّ على أنَّ «المقصور هو الأصل، والذي يدلّ على أنَّ المقصور هو الأصل أنَّ الألف تكون فيه أصليّة وزائدة، والألف لا تكون في الممدود إلا زائدة. والذي يدلّ على ذلك أيضًا أنَّهُ لو لم يُعلم الاسم هل هو مقصور أو ممدود لوجب أن يُلْحَق بالمقصور دون الممدود، فدلّ على أنَّهُ الأصل ... ، ويُخَرَّج على هذا قصر الممدود؛ فإنَّهُ جاز لأنَّه رَدٌّ إلى أصل، بخلاف مدّ المقصور، لأنَّه رَدٌّ إلى غير أصل.» [8] . وذَكَرَ السيرافيّ (368هـ) علّة أُخرى لهذا الفرق، قائلًا: «قصرُ الممدود تخفيف، وقد رأينا العرب
(1) نفائس الأُصول في شرح المحصول: 3/ 1130.
(2) ينظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة: 107.
(3) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف: 605.
(4) ينظر: ضرائر الشعر: 116.
(5) أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 4/ 167.
(6) ينظر: ضياء السالك إلى أوضح المسالك بهامش أوضح المسالك: 4/ 167.
(7) ما يحتمل الشعر من الضرورة: 110.
(8) الإنصاف في مسائل الخلاف: 607 - 608.