تخفِّف بالترخيم وغيره ... ، ولم نَرَهُم يُثَقِّلون الكلامَ بزيادة الحروف كما يخفِّفونه بحذفها، فذلك فرقَ بينهما» [1] .
والرّاجحُ عندي - والله أعلم - الأخذ برأي مَن يقول بجواز مدّ المقصور في الضرورة الشعريّة، لأنّ الشّعرَ محلّ التيسير، ولمجيء بعض الشواهد عليه، نحو قول الشاعر:
سَيُغْنيني الذي أغناكَ عَنّي ... فلا فَقْرٌ يَدُومُ ولا غِنَاءُ
وقد قَدَّرَ البصريّون الغناءَ في البيت مصدرًا لـ (غانَيْتُ) ليَطَّرِدَ لهم أصلهم، وهو تَعَسُّفٌ منهم، كما حَكَمَ بذلك ابن هشام (761هـ) [2] .
وأمَّا الفرق الثّاني الذي ذكره القرافيّ، فهو بين صَرْفِ ما لا ينصرف، وتركِ صَرْف ما ينصرف، وَقَد أكَّدَ السيرافيّ ما قاله القرافيّ، فَذَكَرَ أنَّ صَرْفَ ما لا ينصرف جائز في كلّ الأسماء مُطَّرِد فيها، لأنّ الأسماءَ أصْلُها الصَّرْفُ ودخولُ التّنوينِ عليها، وإنّما تمتنع من الصرف لعللٍ تَدْخُلُها، فإذا اضطُرَّ الشاعرُ رَدَّها إلى أصلها ولم يَحْفُل بالعلل الدّاخلة عليها [3] . وكما كان للكسائيّ (189هـ) والفرّاء (207هـ) خروجٌ عن إجماع النّحاة في الفرق السّابق، كان لهما ذلك أيضًا في هذا الفرق؛ إذ استَثْنَيَا من قاعدة جواز صرف ما لا ينصرف (أفعل منك) ، نحو (أفضل منك) [4] ، مُحْتَجَّيْنِ بأنَّ (مِنْ) لَمّا اتّصلتْ به مَنَعَتْ من صَرْفِهِ لقوّة اتّصالها به [5] .
أمَّا تركُ صَرْفِ ما ينصرف فقد أجازَهُ الكوفيّون والأخفش، وأباهُ أكثر البصريّين [6] ، مُحْتَجّينَ بأنَّ «الأصلَ في الأسماء الصرفُ؛ فلو أنّا جوّزنا تركَ صرف
(1) ما يحتمل الشعر من الضرورة: 115.
(2) ينظر: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك وبهامشه ضياء السالك: 4/ 168.
(3) ينظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة: 40 - 41.
(4) ينظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة: 43.
(5) ينظر: الإنصاف في مسائل الخلاف: 391.
(6) ينظر: ما يحتمل الشعر من الضرورة: 46 - 47.