ما ينصرف لأدّى ذلك إلى رَدِّهِ عن الأصلِ إلى غيرِ أصْلٍ، ولكانَ أيضًا يؤدي إلى أن يلتبسَ ما ينصرفُ بما لا ينصرف.» [1] .
والرّاجح - والله أعلم - مذهبُ الكوفيّين في هذه المسألة، لثبوته في السّماع وكثرةِ ما جاء منه، ولأنّ القياسَ يؤيدهُ أيضًا؛ يقول الأنّباريّ (577هـ) : «إذا جاز حذف الواو المتحرّكة للضّرورة مِن نحو قوله:
فَبَيْنَاهُ يَشْري رَحْلَهُ قال قائِلٌ ... لِمَنْ جَمَلٌ رِخْوُ الملاطِ نجيبُ
فَلَأنْ يجوزَ حذف التّنوين للضّرورة، كان ذلك من طريق الأَولى؛ وهذا لأنَّ الواو مِنْ (هو) متحركة، والتنوين ساكن، ولا خلافَ أنَّ حذفَ الحرف السّاكن أسهل من حذف الحرف المتحرّك» [2] . والأنباريّ (577هـ) - على كثرة ترجيحه مذهبَ البصريّين في المسائل الخلافيّة - أنصفَ الكوفيّين هنا فَرَجَّحَ قولهم، قائلًا: «والذي أذهَبُ إليه في هذه المسألة مذهبُ الكوفيّين؛ لكثرة النقل الذي خَرَج عن حُكم الشّذوذ والقلّة» [3] .
وَذَكَرَ بعضُ المعاصرينَ أنَّ للشِّعْرِ أوزانَه وموسيقاه، فلو لم يُبَحْ للشّاعر تركُ صَرْفِ ما ينصرف فيه لأدّى ذلك إلى اختلال بعض أوزانه واضطرابه، ولصارَ ثقيلًا متنافرًا [4] .
خامسًا: الفروق في الجموع:-
أ. الفرق بين: (جموع القلة) ، و (جموع الكَثْرَة) :-
قال القرافيّ: «ضبط صيغ جموع القلة من الكثرة في قول الشاعر:
بأفْعُلٍ وبأفْعالٍ وأفْعِلَةٍ ... وفِعْلَةٍ يُعْرَفُ الأدنى من العَدَد
فهذه مع جموع السّلامة كلّها للقلّة، ما لم تُعَرَّف فتصير للعموم، وماعدا هذه الأوزان للكثرة. والقلّة إلى العشرة فما دونَها، والكثرة ما فوق العشرة. وقد يُسْتَعْمَل
(1) الإنصاف في مسائل الخلاف: 405.
(2) الإنصاف في مسائل الخلاف: 404.
(3) الإنصاف في مسائل الخلاف: 403.
(4) ينظر: مسائل الخلاف بين النحويين البصريّين والكوفيين في ضوء النظر البلاغي: 125.