فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 463

أحدُهما مكان الآخر مجازًا، كقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) [1] .

وممّا تجدر الإشارة إليه أنَّ البيتَ الذي استدلّ به القرافيّ هو أحد بيتين نظمهما أبو الحسن الدَّبّاج (646هـ) [2] ، من نحاة أشبيلية، والآخَرُ هو:

وسالِمُ الجَمعِ أيضًا داخلٌ معها ... فهذه الخمسةُ فاحفَظْها ولا تزِدِ [3]

ولو أردفَ القرافيّ البيتَ الأولَ به لكان خيرًا من تعقيبه بالقول: «فهذه مع جموع السّلامة كلّها للقلّة.» .

وقد حكى القرافيّ في موضعٍ آخرَ تناقض أقوال النّحاة والأصوليّين في الفرق بين جموع القلّة وجموع الكثرة، محاولًا الجمع بين أقوال الفريقين بما أشار إليه هنا في قوله: «ما لَمْ تُعَرَّف، فتصير للعموم» ؛ فقال: «في تقرير الجمع بين أقوال العلماء من النّحاة والأُصوليّين، فإنّها متناقضة في ظاهر الحال؛ فقال أئمّة اللُّغة والنّحو: إنَّ جموع السّلام ... لأقلّ الجمع، وهو العشرة فما دونها، لا يتناول ما فوقها، ومن جموع التّكسير ما هو موضوع للعشرة فما دونها، ولا يتناول ما فوقها أيضًا ... فهذه كلّها عند اللّغويّين موضوعة للعشرة فما دونها، ولا تتناول ما فوق العشرة البتّةَ. وهذا النقل يقتضي أنَّها في غاية المنافاة لاقتضاء العموم؛ فإن العموم مدلولُهُ غيرُ متناهٍ وغير محصور، والعشرة فما دونها متناهية ومحصورة، فبين البابين تنافٍ شديدٌ.

وقال الأُصوليّون: إنَّ (المشركين) و (المؤمنين) ونحو ذلك مِن صيغ العموم، وكذلك (الأحمال) و (الأجمال) و (الصِّبْيَة) و (الأفْلُسُ) ونحوها، كلّها موضوعة للعموم، ويتناولُ - لغةً - ما لا يتناهى وما لا ينحصر. وهذا النقل ظاهِرُهُ مناقض للنّقل الأوّل، والأُصوليّون طائفة عظيمةُ الشأنِ كثيرةُ العدَدِ، لا يمكن تخطئتها في النقل عن العرب، وكذلك النّحاة واللّغويّون ... ولا يمكن أن يقال: إنَّ النّحاة واللّغويين أقعد

(1) القواعد الثلاثون في علم العربيّة: 239، وينظر: العِقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 172 - 173، و: 2/ 76، و: شرح تنقيح الفصول: 236.

(2) هو علي بن جابر بن علي، أبو الحسن الدّبّاج الإشبيليّ اللخميّ النحويّ. كان نحويًّا أديبًا مُقرئًا. (ينظر: بغية الوعاة: 2/ 153) .

(3) ينظر: خزانة الأدب ولبّ لُباب لسان العرب: 8/ 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت