فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 463

بلسان العرب من الأُصوليّين، فيُقَدَّمون عليهم ... فلابُدَّ من الفكرة في معنى القولين، حتّى يقع الجمع بينهما. وقد أشار إمام الحَرَمَيْنِ والإمام فخر الدّين في (المحصول) إلى طريق الجمع بينهما، بأنْ نعتقد أنَّ قول الأُصوليّين محمول على التّعريف باللاّم أو الإضافة ... ويُحْمَل قول اللّغويّين والنّحاة على حالة التنكير ... » [1] .

ثُمَّ نقل القرافيّ عن أئمة اللُّغة أنَّ جموع القلّة وجموع الكثرة قد تُستعار كلّ واحدة منهما للأُخرى، مُؤكِّدًا أنَّ إطلاق الاستعارة إنّما يكون في المجاز؛ لأنَّ الحقيقة لا يقال فيها (استعارة) إجماعًا [2] .

ثُمَّ نقل القرافيّ تضافر مباحث المفسّرين والنّحاة على توجيه قوله تعالى: {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) على وَفْق هذا المعنى؛ فقال: «وكذلك تضافَرَت مباحث المفسِّرين والنّحاة في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) ، فقالوا: كيف جمع بين لفظة الثّلاثة التي هي دون العشرة، وبين لفظ (القروء) ، الذي وزنه (فُعُول) ، الذي هو من جموع الكثرة ... ، مع أنَّ الممكن أن يُقال: ثلاثةَ أقراء، على وزن (أفعال) ، الذي هو موضوع لما دون العشرة، فلا يناقض لفظ الثّلاثة؟. وأجابوا عن ذلك بأنَّ اللّفظ في الآية مجاز، موضوع موضعَ (أقراء) ... » [3] .

ويبدو أنَّ الخلافَ القديمَ في هذه المسألة، وتبنّيَ الأُصوليّين عَدَمَ القول بالفرق بين جمعَي القلّة والكثرة - كلّ ذلك وَجَدَ له صَدًى وأُذُنًا مُصْغِيةً عند بعض المعاصرين، الذين سَخِروا من النّحاة الماضين في تمييزهم بين صيغ القلّة والكثرة، متنكِّرين لجهودهم المضنية في استقراء كلام العرب، وما جَرَت به ألسنة الفصحاء، بحثًا عن الفروق الدقيقة بين دلالات الصيغ المختلفة؛ يقول الدكتور إبراهيم أنيس رافضًا القول بوجود صيغ للقلّة، وأُخرى للكثرة: «فالقرآن الكريم مليء بأمثال الآيات: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (سبأ: 37) ، {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} (الأحزاب: 35) ، {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) ، ممّا يبرهن على أنَّ فكرة اختصاص القلّة

(1) العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 2/ 67 - 68.

(2) ينظر: العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 2/ 69.

(3) العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 2/ 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت