فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 463

بصيغ، والكثرة بصيغ، لم تكن من الظّواهر الملتَزَمَة في اللُّغة العربيّة. وليس يَشْفَع للنحاة قولُهُم في نهاية الحديث عن صيغ القلّة والكثرة: إنَّ العرب قد تستعمل هذه مكانَ تلك، أو العكس، لحكمةٍ ما؛ لأنَّ مثل هذا القول يحمل في ثناياه دليلَ ضَعْفِ الرّأي الذي ذهبوا إليه» [1] .

ويكتبُ أحمد شوقي النجّار مقالةً عنوانُها (أُسطورة القلّة والكثرة عند النّحاة) ، يذهبُ فيها إلى الرّأي نفسه، ذاكرًا أنَّ أجلى ما تتجلّى فيه علامة ضعف فكرة القلّة والكثرة هو تصريح النّحاة بأنَّهُ قد يُستَغْنَى ببعض أبنية القلّة عن أبنية الكثرة، والعكس كذلك؛ وَضعًا، أو استعمالًا، اعتمادًا على القرينة [2] . ولو أنَّ الأمر لم يَتَعَدَّ حدود الأفراد - مهما يكُنْ شأنُهُم - لهان الخطب فيه، ولكنّه بلغ مبلغًا جَعَلَ مجمع اللُّغة العربيّة بالقاهرة يُصْدِر قرارًا يدور في فَلَكِه، عنوانه (التّعاقب بين جمع القلّة وجمع الكثرة) ، جاء فيه: (الجمع أيًّا كان نوعُهُ؛ جمعَ تكسير أو جمعَ تصحيحٍ، يدلّ على القليل والكثير، وإنّما يتعيَّن أحدهما بقرينة) [3] .

ولئن صَحَّ هذا الإطلاق في حَقّ الخطاب الإبلاغيّ الذي يُتَوَسَّلُ به إلى التّفاهم اليوميّ بين البشر، فما إخالُهُ يَصحّ في حقّ الخطاب البلاغيّ الذي يسمو على سابقه بتحرّيه أوجه الإبداع في الأداء الكلاميّ، بَلْهَ أن يَصحَّ في حق الخطاب الإعجازيّ الذي لا يمكن أن تكون أيّة كلمة فيه إلا مقصودةً لذاتها، مُتأبّيةً أن تحلَّ محلَّ غيرِها أو أن تحلّ غيرُها محلَّها.

واللاّفتُ للنّظر أنَّ مجمع اللُّغة العربيّة القاهريّ كانت له يَدٌ بيضاء في الحثّ على تتبّع الفروق الدّلاليّة بين الكلمات، وتضييق دائرة المترادفات ما أمكن، بإصداره قرارًا بهذا الشّأن، يوصي بأن «يُعنى كلّ العناية بتبيان الفروق الدّلاليّة بين الكلمات ما أمكن، بحيث يتحدّد المعنى الخاصّ الدّقيق لكلّ كلمة، وبذلك تضيق دائرة

(1) من أسرار اللُّغة: 153 - 154.

(2) ينظر: مُستَخلصَات بحوث مجلة الدارة: 2/ 1148 - 1150.

(3) في أُصول اللُّغة: 3/ 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت