فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 463

المترادفات» [1] ، فلو أنَّهُ استصحبَ هذا الأصلَ عند حديثه عن جموع القلّة وجموع الكثرة لاستقامَ له توجُّهُهُ واطَّرَدَ.

ولَعَلَّ فيما ساقَهُ المرزبانيّ (384هـ) [2] من نقدِ النابغةِ الذبيانيّ بعضَ شعرِ حسّانَ بنِ ثابتٍ ما يكفي في إثبات تمييز العرب بين جموع القلّة وجموع الكثرة؛ فبعد أن ساق المرزبانيّ بيتي حسّان:

لَنا الجَفَناتُ العُزُّ يَلْمَعْنَ بالضحى ... وأسيافُنا يقطرْنَ مِن نجدةٍ دَما

وَلَدْنا بني العنقاءِ وابنيَ مُحَرّقٍ ... فأكْرِمْ بنا خالًا وأكْرِمْ بنا ابْنَما

قال: «فقال له النّابغة: أنت شاعر، ولكنك أقْلَلْتَ جِفانَك وأسيافَك، وفَخَرْتَ بمَنْ وَلَدتَ، ولم تَفْخَر بمَن وَلَدَك ... قال الصوليّ: فانظر إلى هذا النّقد الجليل الذي يدلّ عليه نَقاءُ كلام النّابغة وديباجة شعره؛ قال له: أقْلَلْتَ أسيافَك؛ لأنّه قال: (وأسيافنا) ، و (أسياف) جَمع لأدنى العَدَد، والكثير: (سيوف) . و (الجفنات) لأدنى العدد، والكثير: (جِفان) . وقال: (فَخَرْتَ بَمَن وَلَدتَ) ؛ لأنّه قال: (وَلَدْنا بني العنقاء وابْنَي محرّق) ، فَتَرَك الفخرَ بآبائِهِ، وفَخَر بمن وَلَدَ نساؤُهُ.» [3] . فكان انقطاعُ حسّان بينَ يدي النّابغة زيادةَ تأكيدٍ للإلْفِ العربيّ في استعمالات صيغ الجموع قلةً وكثرةً، وتفاوتِ دلالاتها تبعًا لذلك [4] .

وإنَّ ممّا يُؤْخَذُ على مَنْ خاضوا في هذا الشّأن من المعاصرينَ عَدَمَ استيفائِهم النَّظَرَ في كلام النّحاة، ولو أنهّم فعلوا ذلك لعلموا أنَّ القول بامتلاء القرآن بصيغ القلّة التي أُريدَ بها الكَثْرةُ وبعكسِ ذلك - صحيحٌ، «لكنّه لا يَنْقُضُ ما قالَهُ النّحاةُ من تبادل الصّيغ مواضِعَها لحكمة يَدُسُّها المتكلّم في ثنايا الصّيغ المستعارةِ لغيرِها وليسَ ذلك دليلَ ضُعفِ الرّأي؛ لأنَّ الخروج عن مقتضى الظّاهر في صيغ الألفاظ نهجٌ مسلوك

(1) في أُصول اللُّغة: 1/ 72.

(2) هو علي بن عمران بن موسى بن عبيد، أبو عبيد الله الكاتب، المعروف بالمرزُبَانيّ. وهو - وإن لم يتخصص بعِلْمَي النحو واللغة - قد ألَّف في أخبار جامعي النحو واللغة والمصنفينَ فيهما كتابًا كبيرًا سماه (المُقْتَبَس) ، وله كتب أُخرى، من أهمها: (المعْجَم في أسماء الشعراء) ، و (المُوَشَّح) . (ينظر: إنباه الرواة: 3/ 180 - 182) .

(3) المُوَشَّح في مآخذ العلماء على الشعراء: 76.

(4) ينظر: الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ: 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت