فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 463

في لسان العرب، وفن من فنون البلاغة العربيّة.» [1] . كما أنَّ هؤلاء أغفلوا - عمدًا أو سَهْوًا - ما قاله النّحاة من أنَّ اختصاص الجمع بالقلّة أو الكثرة إنّما هو فيما وُجِدَتْ له صيغتان؛ إحداهما للقلّة، والأُخرى للكثرة، أمَّا إذا لم يكن له إلاّ صيغة واحدة، فإنّها حينئذ تُسْتَعْمَل للقلّة والكَثرة، وحينئذ يكون الفيصل في تعيين دلالتها هو القرائن [2] .

ولعلَّ أشهَرَ ما تردَّدَ على ألسنة الباحثينَ من صيغ الجموع مثالًا لوضِع الكثرة موضع القلّة: الآية التي ذكرها القرافيّ، وهي قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} ؛ فالقروء جمع كثرة، ولها جمع قلّة هو الأقراء، وقد استخدمه الرّسول عليه الصّلاة والسّلام في قوله: «تَدَعُ الصّلاةَ أيامَ أقرائِها» [3] .

وقد اتَّخَذَ بعضُ الباحثين هذا المثالَ دليلًا على وَهن القول بصيغٍ للقلّة وأُخرى للكَثْرة؛ فهذا القرآن يستعمل صيغةَ الكثرةِ مُرادًا بها أدنى العَدَد، يُظاهِرُهُم ما قاله المفسّرون من تعاور صيغ الجموع كثرةً وقلّةً مواقِعَها على سبيل الاتساع فَحَسْبُ [4] . وخيرُ ما قيلَ في سِرّ استعارة صيغة الكثرة هنا هو أنَّ هذه الصّيغة تشير إلى وجوب الاحتياط في استيفاء مُدّة العِدَّة، حتّى لا تتعجَّلَ المرأة المطلَّقة عِدَّتَها؛ ذلك أنَّ التّكثير أُريدَ به «كَبْحُ جِماح ِالنّسوة الطّامحات إلى الزّواج، القلقات على مستقبلهنّ، والتّأكيدُ على وجوب إتمام العِدَّة قبلَ أن يتلقَّيْنَ رغباتِ الرّجال، ويتواعَدْنَ معهم على الزّواج. فاستحالت القلّةُ كثرةً إشعارًا بوجوب الانتظار إلى تمام العِدَّة» [5] .

ب. الفرق بين: (أوامِر) ، و (أُمور) :-

لَمّا ذَكَرَ الرازيّ (606هـ) أنَّهُ قد خولِفَ بينَ جَمْع (الأمْر) بمعنى القول، وجَمْعِهِ بمعنى الفِعل؛ فقالوا في الأوّل: (أوامِر) ، وفي الثّاني: (أُمور) ، نقل القرافيّ

(1) الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ: 9.

(2) ينظر: الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ: 9.

(3) روى هذا الحديثَ أبو داودَ (275هـ) في سُنَنِهِ (الحديث رقم 297) .

(4) ينظر: الكشاف: 1/ 442.

(5) الإعجاز البياني في صيغ الألفاظ: 163 - 164.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت