فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 463

مثلَك؛ فإنَّ النّفي والإثبات إنّما ينصرفان أبدًا للإخبار، فإذا نفينا مماثلة عن كلّ إنسان لم يكن ذلك محالًا؛ فإنَّهُ قد يكون أعلى النّاس رتبةً.

وإذا تقرّر أنَّ (أحدًا) هذا معناه: (إنسان) ، و (أحد) الذي يُسْتَعْمَلُ في الإثبات معناه: الفرد من العَدَدِ، الذي هو نصف الاثنينِ، وهو أبْيَنُ العَدَدِ، ومنه يتركَّب مراتبها، وهو نسبة خاصّة، وهو معنًى ذهنيّ لا خارجيّ؛ فإنَّ الأعداد كلّها وأجزاءَها أمور ذهنيّة، لا وجود لها في الأعيان، فهذا المُسمّى ليس بإنسان قطعًا، وإذا كان مُسمّى أحد اللّفظين غير مُسمّى الآخر في اللُّغة، مع أنَّ ضابط الاشتقاق: أن نجد بين اللّفظين مناسبة في المعنى والتّركيب، وحينئذٍ نحكم بالاشتقاق، كما قاله العلماء حيث حَدُّوْهُ وضبطوه، فإذا لم تحصل المشاركة في المعنى أو في اللّفظ كما في المترادفة كالحِنْطَة والبُرِّ، أو فيهما معًا كإنسان وفَرَس، بطل الاشتقاق قطعًا، وقد ظهر في هذين اللّفظين أنَّ معنى أحدهما: (إنسان) ، ومعنى الآخر: (جزء العدد) ، فبطل الاشتقاق قطعًا. واعلَمْ أنَّ حصول المشاركة في اللّفظين بالنّسبة إلى لفظ ثالث قليلٌ في اللُّغة، حتّى إنّي لا أعلم له نظيرًا غيرَ هذا ... وبهذا التقرير يتجّه لك أن تعلم ما هو (أحد) الذي لا يُسْتَعْمَل إلا في النّفي، وما هو (أحد) الذي يصلح للنّفي والثّبوت، بأن ننظر: إن وجدتَ أنَّ المقصود باللّفظ: (إنسان) ، فقُل: هذا (أحد) الذي لا يُسْتَعمل إلا في النّفي، وألفُهُ ليست منقلبة عن واو؛ وإن وجدتَ المقصود باللّفظ الذي هو نصف الاثنين من العَدَدِ، فقل: هذا اللّفظ هو الصّالح للإثبات والنّفي، وألِفُهُ منقلبة عن واو.» [1] .

وقول القرافيّ إنَّ (أحدًا) المستعملة في الإثبات معناها الفرد من العَدَد الذي هو نصف الاثنين - لم يستوفِ كلّ ما ذَكَرَ من معانيها؛ فقد ذَكَرَ الرّاغب الأصفهانيّ (425هـ) أنَّ (أحدًا) المستعملة في الإثبات تكون على ثلاثةُ أوجُهٍ؛ «الأوّل: ... في الواحد المضموم إلى العَشَرات، نحو: أحَدَ عَشَرَ ... ؛ الثّاني: يُسْتَعْمَلُ مضافًا أو مضافًا إليه بمعنى (الأوّل) ، كقولِهِ: أمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ

(1) العِقد المنظوم في الخصوص والعموم (في الفرق بين ثبوت الحكم في الكلي، وبين نفي الكلي أو النهي عنه) : 1/ 324 - 326. وينظر: شرح تنقيح الفصول: 183، و: القواعد الثلاثون في علم العربيّة: 238، و: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 540.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت