تَرِدُ (اليَدُ) ولازِمُها القوّةُ في سياقات معيّنة في لغة العرب، كما في قولنا: لفُلانٍ يَدٌ على كذا، و: مالي بكذا يَدٌ، و: مالي به يَدانِ؛ قال الشاعر:
فاعْمَدْ لِمَا تَعْلو فما لَكَ بالذي ... لا تستطيعُ من الأُمورِ يدان
وقولنا: يد الدَّهر، ويَدُ الرّيح، كما في قول الشاعر:
وغداةِ ريحٍ قد وزعتُ وقِرَّةٍ ... إذْ أصبَحَتْ بيدِ الشَّمالِ زِمَامُها
لما في الرّيح من قوّة [1] .
ولكنّ اليَدَ قد تَرِدُ في سياقات أُخرى - كما في بعض ما ذكره القرافيّ - غيرَ مُرادٍ بها ذلك، لذلك جَعَل ابنُ قيِّم الجوزيّة (751هـ) أحدَ وجوه التّأويل الفاسدة في القرآن: أن يتناوَلَ المؤَوِّلُ لفظًا معيّنًا أُلِفَ استعمالُهُ في تركيبٍ ما بمعنًى معيّنٍ، فيحملَهُ المؤوِّلُ على هذا المعنى في تركيبٍ آخرَ لم يُعْهَدْ مجيئُهُ فيه بالمعنى نفسه [2] .
ومن الأمثلة التي ضَرَبها ابن القيّم لِمَا ذَكَرَهُ: لفظ (اليد) في القرآن الكريمِ عندما تضافُ إلى الله تعالى؛ إذ ذَكَرَ أنَّ اللهَ تعالى حيثُ ذَكَرَ اليدَ مُثَنّاةً أضافَ الفعلَ إلى نفسه سبحانَه بضمير الإفراد، وعَدّى الفعلَ بالباءِ إليهما، فقال: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (ص: 75) ، وحيث ذَكَرَ اليدَ مجموعةً أضافَ العَمَلَ إليها، ولم يُعَدِّ الفعل بالباء، فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ ممّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} (يس: 71) ، ثم ذَكَرَ ابن القيّم أنَّ هذه الفروق في التّراكيب في السياقات المختلفة تَجْعَلُ قولَهُ تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} لا يحتمل من المجاز ما يحتملُهُ: {عَمِلَتْ أَيْدِينَا} ؛ فإن كلّ واحد يَفْهَمُ - كما يقول ابن القيّم - من قوله تعالى: {عَمِلَتْ أَيْدِينَا} ما يَفْهَمُهُ من قوله: (عَمِلْنَا، وخَلَقْنا) ، كما يَفْهَمُ ذلك من قوله تعالى - وله المَثَل الأعلى: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} (الشورى: 30) . وأمَّا قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} فلو كان المرادُ منهُ الفعلَ المجرَّدَ، ما كان لذكر اليَد بعدَ نسبةِ الفعلِ إلى الفاعل معنًى، فكيفَ وقد دَخَلَتْ عليها الباء؟. فَسِرُّ الفرق - على حَدِّ قول ابن القيّم: أنَّ الفعلَ قد يضافُ إلى يَد الفاعِل، والمرادُ الإضافةُ إليه، كقوله
(1) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 890.
(2) ينظر: الصواعق المُرْسَلَة: 1/ 192.