القرافيّ والأُصوليّون -، وهو ما ذَكَرَه السّيوطيُّ (911هـ) بأنّها: قولٌ مُفْرَدٌ مُسْتَقِلّ، قائِلًا إنَّهُ قد خَرَج بـ (المفردِ) المُرَكَّبُ، وبـ (المستقلِّ) أبعاضُ الكلمات الدّالّة على معنًى، كحروف المُضارَعَة، وياءِ النَّسَب، وتاءِ التأنيث، وألفِ (ضارِب) ؛ فليست بكلمات، لعدم استقلالها. ثم ذَكَرَ السّيوطيُّ أنَّ مَنْ أسْقَطَ هذا القَيْدَ (أي مُسْتَقلّ) رأى أنَّها مع ما هي فيه كلمتان صارتا واحدةً لشدة الامتزاج، فَجُعِلَ الإعرابُ على آخِرِه، كالمركّب المزجيّ [1] .
والحَقُّ أنَّ تعريفَ المُرَكَّب بأنَّهُ ما يُقْصَدُ بجزء منه الدّلالةُ على جزء معناه - وإن كان ألصقَ بمذهبِ الأُصوليّينَ منه بمذهب النّحويّينَ - تبنّاه بعضُ النّحويّينَ، غيرَ أنَّهُ لم يَلْتَزِم ما التَزَمَهُ القرافيُّ وغيرُهُ من الأُصوليّينَ مِنَ القول بتركيبِ نحو (يَضْرِب) استنادًا إليه، بل بقيَ على ما تبنّاه النّحويّون؛ فبَعْدَ أن عَرَّفَ الفاكِهِيُّ (972هـ) [2] المركَّبَ بما عَرَّفَهُ به الأُصوليّون، وهو أنَّهُ ما يُقْصَدُ بجزء منه الدّلالةُ على جزء معناه المقصودِ، ومَثَّلَ له بـ (غلام زيد) ، ذَكَرَ نَحوَ ما ذكره السّيوطيّ؛ فقال: «فإنَّ كلاًّ من جُزْأَيْهِ [3] مقصودٌ به الدّلالةُ على جزء معناه، والمرادُ بالأجزاء ألفاظٌ مسموعةٌ مُرَتَّبَةٌ، فلا يَرِدُ نحوُ (يَضرِبُ) و (ضارِب) .» [4] .
وقد ذَهَبَ بعضُ النّحويّينَ - كما قال القرافيّ - إلى أنَّ المرادَ بالتّركيب والتأليف واحدٌ؛ إذ قال ابنُ قاسِمٍ المالكيُّ النّحويُّ (ت بعدَ 920هـ) [5] : «حَدُّ التّركيب: ضَمُّ كلمة إلى مثلِها فأكثر ... ، ويُرادُ به التأليفُ» [6] ، على حين ذَهَبَ الفاكِهيُّ إلى
(1) ينظر: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: 1/ 4 - 5.
(2) هو عبد الله بن أحمد بن علي بن محمّد بن علي بن محمّد بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر نور الدّين الفاكهيّ المكّيّ الشّافعيّ، جمال الدّين. كان من كبار العلماء، مشاركًا في جميع العلوم، وكان آيةً في علم النّحو. من أهم كتبه: مجيب النِّدا إلى شرح قطر النّدى، وشرح الحدود النّحويّة. (ينظر: مقدّمة تحقيق كتاب شرح الحدود النّحويّة: 13 - 48) .
(3) أي غلام زيد.
(4) شرح الحدود النّحويّة: 257.
(5) هو عبد الرّحمن بن زين الدّين محمّد بن محمّد الجلاليّ، جلال الدّين بن قاسم المالكيّ النّحويّ. له كتاب (شرح كتاب الحدود للأُبَّدِيّ) . (ينظر: مقدّمة تحقيق شرح كتاب الحدود للأُبَّدِيّ: 5 - 7) .
(6) شرح كتاب الحدود للأُبَّديّ: 34 - 35.