فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 463

نَقَلَ القرافيّ عن الفخر الرّازيّ (606هـ) أنَّ بعضَ الأُصوليّينَ عَرَّفَ الكلامَ بأنَّهُ: المنتَظِمُ من الحروف المسموعة المتميّزة المُتواضَعِ عليها، وذَكَرَ الرّازيّ أنَّ قولنا: (من الحروف) احتُرزَ به عن الحرف الواحد، لِقول أهل اللُّغة: أقَلّ الكلامِ حرفانِ؛ إمَّا ظاهرًا، وإمَّا في الأصل؛ كقولنا: قِ، شِ، عِ؛ فإنَّهُ كان في الأصل: قِي، وشِي، وعِي، ولهذا يُرْجَع في التّثنية إليه، فيقال: قِيا، شِيا، عِيا. ثُمّ ذَكَرَ الرّازيّ أنَّ الحَدَّ السّابق للكلام يقتضي أمرين؛ أحدهما: كونُ الكلمةِ المفردةِ كلامًا، وعَزَاه الرّازيّ إلى الأُصوليّين، ولكن النّحاةَ - على قوله - أجمعوا على فساد ذلك قائلين: إنَّ لفظ (الكلام) مخصوص بالجملة المفيدة، وقولُ أهلِ اللُّغة في المباحث اللّغويّة راجحٌ على قولِ غيرِهم. والآخَر: أنَّ قولنا: (أقَلُّ الكلامِ حَرْفان؛ إمّا ظاهرًا، أو في الأصْل) يُشْكِلُ بلام التّمليك، وباء الإلصاق، وفاء التّعقيب؛ فإنّها أنواع الحرف الذي هو قسيمُ الاسم، وكلّ حرف كلمة، وكلّ كلمة كلام، مع أنَّها غير مُرَكَّبة. ثم قال الرّازيّ: «فإن قُلْتَ: الحركة في الحقيقة حرف، فإذا ضُمَّت الحركة إلى الحرف كان المجموع مُركّبًا. قُلْتُ: هذا - على بُعْدِهِ - لو قبلناه، بقي الإشكال بالياء مِن: (غُلامِي) ، ونون التنوين، ولام التّعريف؛ فإنَّها حروف مفردة خالية عن الحركات، وهي مفيدة.» .

ثم ذَكَرَ الرّازيّ أنَّ الأَولى مساعدةُ أهل النّحو، فَتُعَرَّف الكلمةُ بأنّها: (كلّ مَنطوقٍ بِهِ دَلَّ بالاصطلاح على معنًى) ؛ فهذا يتناول الحرف الخالي من الحركة، والحرف المتحرّك، والمركّب من الحروف، ويُعَرَّف الكلام بأنَّهُ: (الجملة المفيدة) [1] .

وقد اعترضَ القرافيّ على ما ذكره الرّازيّ بجملةِ اعتراضاتٍ؛ فَذَكَر أنَّ قوله: (هذا يقتضي أنْ تكون الكلمة المفردة كلامًا) ممنوع؛ بل بعضُ ما هو كلمةٌ كلامٌ؛ فإنَّ من جملة الكلمات حروف المعاني البسيطة، نحو: كاف التّشبيه، ولام التّمليك، ونحوُهُما غيرُ مندرجٍ في الحَدِّ المذكور، لاشتراطه تعدُّدَ الحروف. ثم اعتَرَضَ على قوله: (أجمعَ النّحاة على فساده ... الخ) ، بأنَّ هذا الكلامَ يُشْعِرُ بأنّ كلا التفسيرين - أي إنَّ الكلمة المفردةَ يُمكنُ أن تكون كلامًا، أو إنَّ الكلام مخصوص بالجملة المفيدة

(1) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في البحث عن ماهية الكلام) : 1/ 433 - 434، و: المحصول في علم أُصول الفقه: ج1/ق1/ 236 - 240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت