-أُريدَ به الكلام اللُّغويّ، لقوله: (في المباحث اللّغويّة) ، مع أنَّ أكثر النّحاة يقولون: إنَّ قول النّحاة: (إنَّ الكلامَ هو الجملة المفيدة) هو حَدٌّ اصطلاحيٌّ لا لغويٌّ، فحينئذٍ لا تَعارُضَ بين التّفسيرين؛ فإنَّ النّحاةَ اصطلحوا اصطلاحًا لأنفسهم، ولم يتعرّضوا لفساد الاصطلاح اللُّغويّ، مع أنَّ بعض النّحاة يذكر التفسيرين للمسمّى اللُّغويّ، محتجًّا بأنّ الكَلام مشتقّ من الكِلام - بكسر الكاف - التي هي الجِراح، ووجه الاشتقاق: أنَّ الجِراحَ منها ضارٌّ كالجِراحِ المُفْسِدَة، ونافِعٌ كالفِصاد عند الحاجة، وكذلك الكَلاَمُ؛ منه نافعٌ سارٌّ، ومنه مؤذٍ ضارٌّ.
ثم اعترض القرافيّ على تعريفه الكلمةَ بأنّها (كلّ منطوقٍ بِهِ دَلَّ بالاصطلاح على معنًى) ، لاقتضائه اندراجَ (الكلام) في حدّ الكلمة؛ لأنَّ الجملة المفيدة منطوق به دلّ بالاصطلاح على معنًى. كما اعترض على تعريفه الكلامَ بالجملة المفيدة، بأنّ الجملة عند النّحاة أخصّ من الكَلاَم؛ فإنَّ الكلامَ قد يكون بِجُمَلٍ كثيرةٍ، وقد يكون بجملة واحدة [1] .
وقول القرافيّ بالفرق بين (الكلام) اللُّغويّ، و (الكلام) الاصطلاحيّ: هو ما عليه النّحاةُ - كما قال -، ويدلّ عليه قولُ ابن مالك (672هـ) في ألفيّته:
كَلامُنا لَفْظٌ مفيدٌ كاسْتَقِمْ ... واسمٌ، وفِعْلٌ، ثُمَّ حَرْفٌ الكَلِمْ
ولذلك قال ابن عقيل (769هـ) في شرحه: «وإنّما قال المُصَنِّفُ: (كلامُنا) ، ليُعْلَم أنَّ التّعريفَ إنّما هو للكلامِ في اصطلاحِ النّحويينَ، لا في اصطلاح اللّغويّينَ. وهو في اللُّغة: اسمٌ لكلّ ما يُتَكَلَّمُ بِهِ؛ مفيدًا كانَ أو غيرَ مفيد.» [2] .
وقد بَيَّنَ الرّضيُّ (686هـ) المراحلَ التّطوريّةَ التي مَرَّ بها لفظ (الكَلاَم) ؛ فذكر أنَّهُ وَضِعَ لِجِنْسِ ما يُتَكَلَّمُ بِهِ، سواءٌ أكانَ كلمةً على حَرْفٍ كواوِ العطف، أم على أكثَرَ، أم كانَ أكثرَ من كلمة، وسواءٌ أكان مُهْمَلًا أم لا. ثم ذَكَرَ الرّضيّ أنَّ
(1) ينظر: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 1/ 442 - 445.
(2) شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: 1/ 13 - 15.