فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 463

(الكلام) اشتهَرَ لغةً في المركّب من حَرْفينِ فصاعدًا، ثم اختصّ في اصطلاح النّحاة بأنَّهُ ما تضَمَّنَ كلمتينِ بالإسناد في اسمين، أو في فعل واسم [1] .

أمَّا ما ذَكَرَهُ القرافيّ من احتجاج بعض النّحويّينَ باشتقاق (الكَلامِ) من (الكِلام) على صلاحيّة التفسيرَيْنِ للمسمّى اللُّغويّ، فقد وَجدتُ خِلافَهُ عند الكثير من النّحويّين؛ إذ رَأيْتُهُم يحتجّونَ بالاشتقاق المذكور على صحّة التّعريف الاصطلاحيّ للكلام فقط؛ فقد ذَكَرَ أبو البقاء العكبريّ (616هـ) من أوْجُهِ ترجيحِ أنَّ الكلامََ عبارةٌ عن الجملة المفيدة فائدةً يَسوغُ السكوتُ عليها: أنَّ الكلامَ «مشتقّ مِن (الكَلْم) ، وهو الجُرح، والجُرْحُ مُؤَثِّرٌ في نَفْسِ المجروح، فيَلْزَمُ أن يكونَ الكلامُ مؤثِّرًا في نفس السّامع» [2] ، وزادَ ابنُ يعيشَ (643هـ) هذا المعنى إيضاحًا بقوله: «إنَّ اشتقاق (الكَلام) من (الكَلْم) ، وهو الجُرْح؛ كأنَّهُ لشدّةِ تأثيرهِ ونفوذِهِ في الأنْفُسِ كالجُرح؛ لأنَّه إن كان حَسَنًا أثَّر سرورًا في الأنْفُس، وإن كان قبيحًا أثَّرَ حُزنًا، مع أنَّهُ في غالِب الأمْرِ يَنْزع إلى الشَّرِّ، ويدعو إليه ... ، وغيرُ المفيد لا تأثيرَ له في النَّفس.» [3] .

وأمَّا ما اعترضَ به القرافيّ على تعريف الرّازيّ الاصطلاحيّ للكلمة بأنّها (كلّ منطوقٍ به دَلَّ بالاصطلاح على معنًى) ، فلا غبارَ عليه؛ إذ إنَّهُ تعريفٌ غيرُ مانعٍ، يَدْخُلُ فيه الكلام الاصطلاحيّ. ولذلك كان النّحويّونَ أكثرَ توفيقًا عندما عرّفوا الكلمة بأنّها: «اللّفظُ الموضوعُ لمعنًى مُفْرَدٍ. فقولُنا: (الموضوعُ لمعنًى) أخْرَجَ المُهْمَل كـ (دَيْز) ، وقولنا: (مُفْرَد) أخْرَجَ الكَلامَ؛ فإنَّهُ موضوع لمعنًى غيرِ مُفْرَدٍ.» [4] .

وكانَ القرافيّ مُحقًّا أيضًا في اعتراضه على تعريف الرّازيّ الكلامَ الاصطلاحيَّ بأنَّهُ الجملةُ المفيدةُ؛ إذ ذَكَرَ أنَّ الجملةَ عند النّحاةِ أخصّ من الكلام، لأنَّ الكلامَ قد يكون بِجُمَلٍ كثيرةٍ، وقد يكون بجملة واحدة.

غيرَ أنَّ ابنَ هِشامٍ (761هـ) كان أدنى إلى الصّواب عندما فَرقَ بين الكلام والجملة بأنّ الأخيرةَ أعمّ منه؛ «إذ شَرْطُهُ الإفادةُ، بخلافها. ولهذا تسمعهم يقولون:

(1) ينظر: شرح الرّضيِّ على كافية ابن الحاجب: 1/ 5 - 17.

(2) اللُّباب في علل البناء والإعراب: 1/ 41.

(3) شرح المُفصّل: 1/ 76 - 77.

(4) شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: 1/ 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت