(الصدر) في الجملة: «المُسْنَد، والمُسْنَد إليه؛ فلا عِبْرَةَ بما تَقَدَّم عليهما من الحروف ... ، والمعتبر أيضًا ما هو صَدْرٌ في الأصل؛ فالجملة من نحو: كيف جاءَ زيدٌ؟، ومن نحو: {فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ} (غافر: 81) ، ومن نحو: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (البقرة: 87) ، و: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ} (القمر: 7) فعليّة؛ لأنَّ هذه الأسماء في نيّة التأخير» [1] .
وحَدُّ ابنِ هشام للجملة الفعليّة أدقُّ من حدّ القرافيّ لها؛ إذ إنَّ قَصْرَها عند الأخير على ما كانت من فعل وفاعل لا يستوعبُ صورَها الأُخرى التي ذَكَرَها ابنُ هشام.
وقد ذَكَرَ ابن هشام أنَّ الذي يَرى جوازَ تقديم الفاعل على الفعل - وهم الكوفيّون - يَجْعَلُ نَحْوَ: (زيدٌ قامَ) جملةً فعليّةً، وأنَّ آخَرِينَ فيهم المبَرِّدُ (285هـ) ، وابنُ مالك (672هـ) جوّزوا فعليّتَها على الإضمار والتّفسير، وهو قريب ممّا نَقَلَهُ القرافيّ عن بعض النّحويّين [2] .
وقد ذَهَبَ بعضُ المحدَثينَ إلى ما ذَهَبَ إليه الكوفيّون من قَبْلُ، وهو أنَّ الفاعل: «ما أُسْنِدَ إليه الفِعْلُ أو شِبْهُهُ ... ، وحَقُّهُ أن يَليَ الفعلَ، وقد يتقدّم عليه» [3] ؛ إذ لم يَرَ الدكتور مهدي المخزوميّ فَرقًا يُذْكَر بين جملتي: البَدْرُ طَلَعَ، و: طَلَعَ البَدْرُ، سوى تقديمِ المسند إليه في الجملة الأُولى، وتأخيرهِ في الثانية، وتقديمُ المسنَد إليه - عندَهُ - لا يُغَيّر من طبيعة الجملة، لأنَّه إنّما قُدِّمَ للاهتمام به، لذا كانت الجملتان عنده فعليّتين [4] . وذَهَبَ المستشرق الألمانيّ برجشتراسر نحوَ هذا المذهب؛ إذ قال: «والجملةُ مركّبة من مسند ومسندٍ إليه؛ فإن كان كلاهما اسمًا أو بمنزلة الاسم، فالجملةُ اسميّة، وإن كان المُسْنَد فعلًا أو بمنزلة الفعل، فالجملة فعليّة.» [5] .
(1) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 2/ 8.
(2) ينظر: مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 2/ 12.
(3) الموفي في النّحو الكوفيّ: 18.
(4) ينظر: في النّحو العربيّ نقد وتوجيه: 42.
(5) التطور النّحويّ للّغة العربيّة: 125.