والرّاجحُ عندي - وهو ما رجّحه الدكتور فاضل السّامرائيّ - أنَّ نحوَ (محمّد يَحْضُرُ) جملة اسميّة لا فعليّة؛ وذلك لجواز دخول النّواسخ عليها، وهي لا تدخل إلاّ على الجمل الاسميّة، نحو: (إنَّ محمّدًا يَحضُرُ) ، ولو كانت الجملة فعليّة لم تدخل عليها النّواسخ. فإن قيلَ: إنَّ النّواسخ تدخل على الأسماء لا على الجملة الاسميّة، قيل: الصّواب أنَّها تدخل على الجملة الاسميّة لا على الأسماء؛ ففي قولنا: (محمّدًا أكرمْتُ) ، وفي قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) كلّ من (محمّدًا) و (إيّاك) مفعول به مقدّم، والجملتان فعليّتانِ، ولا يصحّ إدخال النّواسخ عليهما، مع أنّهما اسمان؛ فلا تقول: (إنَّ محمّدًا أكرمتُ) ، ولا: (إنّك نعبدُ وإنّك نستعين) ، فلو كان قولنا: (محمّد يحضر) جملة فعليّة كما أنَّ قولنا: (محمّدًا أكرمْتُ) جملة فعليّة، لامتَنَعَ إدخال النّواسخ عليها كما امتنع في جملة المفعول.
ثمّ إنَّهُ لا يتأتّى ما قاله برجشتراسر في نحو قولنا: (محمّد حَضَرَ أخوه) ؛ فإنَّ جملة (حَضَرَ أخوه) فعليّة، وأمَّا الجملة الكبرى فهي اسميّة وليست فعليّة، لأنَّ مسندها جملةٌ وليسَ فعلًا؛ فإنَّ الفعلَ مسندٌ إلى الأخ، وليسَ مسندًا إلى (محمّد) [1] .
د. الفرق بين: (الخبر) ، و (الإنشاء) :-
قال القرافيّ: «الفرق ... بين الخبر والإنشاء من أربعة أوجه؛ الوجه الأوّل: أنَّ الإنشاءَ سببٌ لمدلوله، والخبر ليس سببًا لمدلوله؛ فإنَّ العقود أسباب لمدلولاتها ومتعلَّقاتها، بخلاف الأخبار.
الوجه الثاني: أنَّ الإنشاءات يتبعها مدلولُها، والإخبارات تتبَعُ مدلولاتِها؛ أمَّا تَبَعِيَّةُ مدلول الإنشاءات، فلأنّ الطّلاقَ والمِلْكَ - مثلًا - إنّما يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع؛ وأمَّا أنَّ الخبر تابع لمُخْبَرِهِ، فنعني بالتّبعيّة أنَّهُ تابع لتَقَرُّرِ مُخْبَرِهِ في زمانه، ماضيًا كان أو حاضرًا أو مستقبلًا؛ فقولنا: قامَ زيدٌ، تَبَعٌ لقيامه في الزّمان الماضي، وقولنا: هو قائمٌ، تَبَعٌ لقيامه في الحال، وقولنا: سيقومُ الساعةَ، تبعٌ لتقرّر قيامِهِ في الاستقبال. وليس المرادُ بالتّبعيّة التّبعيّةَ في الوجود، وإلاّ لما صَدَقَ ذلك إلاّ في الماضي فقط؛ فإنَّ الحاضرَ مقارِنٌ، فلا تبعيّةَ لحصول المساواة،
(1) ينظر: الجملة العربيّة تأليفها وأقسامها: 159.