والمستقبل وجودُهُ بعد الخبر، فكان متبوعًا لا تابعًا ... الوجه الثالث: أنَّ الإنشاء لا يَقْبَلُ التّصديقَ والتّكذيبَ؛ فلا يَحْسُنُ أن يُقال لمن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثًا: صَدَقَ، ولا: كَذَبَ، إلاّ أن يريد به الإخبارَ عن طلاق امرأته، وكذلك لمن قال لعبده: أنت حر، وغير ذلك من صيغ الإنشاء، بخلاف الخبر؛ فإنَّهُ قابل للتّصديق والتّكذيب ... الوجه الرابع: أنَّ الإنشاء لا يقع إلاّ منقولًا عن أصل الوضع في صيغ العقود والطّلاق والعتاق ونحوها، وقد يقع إنشاءٌ في الوضع الأوّل كالأوامر والنّواهي، فإنّها تُنشئُ الطلبَ بالوضع اللُّغويّ الأوّل. والخبر يكفي فيه الوضع الأوّل في جميع صوره؛ فقول القائل لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، لا يفيد طلاقَ امرأتِهِ بالوضع الأوّل، بل أصل هذه الصّيغة أنَّهُ أخْبَرَ عن طلاقها ثلاثًا وأن لا يَلْزَمه بها شيء، كما يتّفق له في بعض أحواله إذا سألَتْهُ امرأتُهُ بعد الطّلاقِ، فيقول لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، إعلامًا لها بتقدّم الطّلاق، فهذا هو أصل الصّيغة، وإنّما صارت تُفيد الطّلاق بسبب النقل العرفيّ عن الإخبار للإنشاء، وكذلك جميعُ هذه الصّيغ.» [1] .
هـ. الفروق في الأزمان والصّيغ في الإنشاء بين الشهادة، والعَقْدِ، والقَسَم:-
قال القرافيّ: «إنَّ اللّفظ انقسم إلى ما يَصْلُح للإنشاء في باب، ولا يَصْلُحُ له في باب آخر؛ وتقريره: أنَّ اللّفظ الموضوع لإنشاء الشّهادة هو صيغة المضارعة؛ بأن يقولَ الشاهد: أشْهَدُ، ولو نَطَقَ بالماضي فقال: شهدتُ بكذا، لم يكن إنشاءً، ولم يُرَتِّبِ الحاكمُ عليه شيئًا. وفي العقود: المتعيّنُ لها من اللّفظ هو الماضي، على العكس من الشهادة؛ فيقول البائع: بعتُك هذه السّلعةَ بدرهم، ولو قال: أبيعُك هذه السّلعة بدرهم، لكان وَعدًا بالبيع لا بيعًا. وكذلك يقول المشتري: اشتريْتُ - بصيغة الماضي -، ولو قال: أشتريها بكذا - بصيغة المضارع - لكان ذلك وَعْدًا بأنَّهُ سيشتريها. وأمَّا صيغُ
(1) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدتي الإنشاء والخبر) : 1/ 96 - 97. وينظر: الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام: 48 - 49، و: نفائس الأُصول في شرح المحصول (في الحقيقة الشرعيّة) : 2/ 863.