الأوامر، نحو: اشْترِها بكذا، فليس إنشاءً. هذا ما يتعلّق بصيغ الأفعال، وأمَّا صيغ أسماء الفاعِلينَ، فقد وُضِعَ اسمُ الفاعل للإنشاء في الطّلاق والعتاق، نحو: أنتِ طالق، وأنتَ حُرٌّ، ولم يوضَع للإنشاء في العقود، نحو: أنا بائع، وأنا مشترٍ، وواهب، ونحوها، ولم يوضَع أيضًا للإنشاء في الشّهادة؛ فلو قال: أنا شاهد بكذا، لم يكن إنشاءً. هذا في باب العقود والشّهادات، أمَّا باب القَسَم؛ فيصحّ الإنشاء فيه بالماضي، والمستقبل، واسم الفاعلِ، نحو: أقسمْتُ بالله لأفعلنَّ، و: أُقْسِمُ باللهِ لأفعلنَّ، و: أنا مُقْسِمٌ عليك باللهِ لتفعلَنَّ. فتلخَّصَ: أنَّ الفعل الماضي للإنشاء في العقود فقط، والمضارع للإنشاء في الشهادات فقط، والقَسَم له المضارع والماضي وغيره؛ فهو أعمّ الأبواب في صيغ الإنشاء.» [1] .
وقد بَيَّنَ القرافيّ - في موضع آخر - سبب هذه الفروق بين الأبواب؛ فقال: «وسبب هذه الفروق بين الأبواب: النقلُ العرفيُّ من الخبر إلى الإنشاء؛ فأيّ شيء نَقَلَتْهُ العادةُ لمعنًى صارَ صريحًا في ذلك المعنى بالوضع العرفيّ، فيعتَمِدُ الحاكمُ عليه لصراحته، ويستغني المفتي عن طلب النيّة معه لصراحته أيضًا. وما هو لم تنقله العادة لإنشاء ذلك المعنى يَتَعَذَّرُ الاعتمادُ عليه، لعدم الدّلالةِ، والعرفيّةِ. فنَقَلت العادةُ في الشّهادة المضارعَ وحدَه، وفي الطّلاقِ والعِتاقِ اسمَ الفاعل والماضي. فإن اتفق وقتٌ آخَرُ تَحْدُثُ فيه عادةٌ أُخرى تقتضي نسخَ هذه العادة، وتَجَدُّدَ عادةٍ أُخرى، اتَّبَعْنا الثاّنيةَ وتَرَكْنا الأُولى، ويصيرُ الماضي في البيع، والمضارعُ في الشّهادة على حَسَب ما تُجَدِّدُ العادةُ. فتأمَّلْ ذلك واضبْطهُ؛ فمن لا يعرف الحقائق العرفيّة وأحكامها يُشْكِلْ عليه الفَرْقُ.» [2] .
ويُمَثِّلُ هذا الفرقُ مثالًا جيّدًا للدّراسات الأُصوليّة اللّغويّة التي أغنت الدراسات النّحويّة في الجوانب التي لم يكن لها بها اهتمام كبير؛ «فقد رَكَّزَ النّحاةُ اهتمامهم على الزّمن الصّرفيّ من خلال الصّيغ الفعلية المعزولة عن سياقاتها» ، و «لم يربطوا بين الصّيغ الصّرفيّة والسّياقات التي تأتي فيها في مثل هذه التّراكيب: بِعْتُكَ هذه
(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام: 53 - 54. وينظر: أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدتي الخبر والإنشاء) : 1/ 138.
(2) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدتي الخبر والإنشاء) : 1/ 139.