الاستفهامَ عن عدم الربوبيّة، فلو قالوا: نعم، قَرَّروا العدَمَ، وتقريرُ عدمِ الربوبيّة كفرٌ، فلمّا قالوا: بلى، فقد خالفوا النّص، فأثبتوا الربوبيّة، فكانوا مطيعين مُوفَّقينَ بحمد الله تعالى.» [1] .
ولَخَّصَ ابن هشام (761هـ) الفروقَ بين الثّلاثة تلخيصًا حَسَنًا؛ فقال: «والحاصل أنَّ (بلى) لا تأتي إلاّ بعد نفي، وأنَّ (لا) لا تأتي إلا بعد إيجاب، وأنَّ (نعم) تأتي بعدهما. وإنّما جاز: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي} (الزمر: 29) مع أنَّهُ لم تتقدّم أداةُ نفي؛ لأنَّ {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي} (الزّمر: 57) يَدُلُّ على نفي هدايته، ومعنى الجواب حينئذٍ: بلى قد هَدَيْتُك بمجيءِ الآيات ... » [2] .
أمَّا قول القرافيّ: «لو قالوا: نعم، في قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ، كفروا» ، فقد نقل ابن هشام عن جماعة من العلماء - منهم الشَّلَوْبين (645هـ) - ما يفيد خلافَ ذلك؛ إذ قالوا: «إذا كان قبل النّفي استفهام، فإن كان على حقيقته فجوابه كجاب النّفي المجرّد، وإن كان مرادًا به التّقرير فالأكثر أن يُجاب بما يُجاب به النّفيُ رَعيًا للفظه، ويجوز عند أمن اللّبس أن يجابَ بما يُجابُ به الإيجاب رَعيًا لمعناه ... وعلى ذلك قول الأنصار [3] رضي الله تعالى عنهم للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقد قال لهم: «أَلَسْتُم تَرَوْنَ لهم ذلك» : (نَعَمْ) .» [4] .
وأوضح السُّهَيليُّ (581هـ) هذا المعنى بذكره أنَّهُ لا يمتنع أن يُجابَ بـ (نَعَمْ) بعد الاستفهام من النّفي، لا بهدف تصديق النّفي، ولكن من باب تحقيق الإيجاب الذي في نفس المتكلِّم؛ لأنَّ المتكلِّم إذا قال لمن رآه يشرب الخمر مُنْكِرًا عليه: أليست الخمرُ حرامًا؟، فهو في الحقيقة لم يستفهمه، وإنّما يقرِّر تحريمها، ويوبِّخه على
(1) شرح تنقيح الفصول (الكلام في العموم والخصوص) : 200 - 201.
(2) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 651.
(3) روى هذا الحديثَ أبو داود (275هـ) في سننه (الحديث رقم 4812) ، والترمذيّ (279هـ) في جامعه (الحديث رقم 2487) ، ولكن من غير وجود الشاهد الذي ذكره ابن هشام.
(4) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 652.