شربها، فإذا فهم مراده بقرينة، وأنَّه يعتقد تحريمها، جاز أن يُجابَ بـ (نَعَمْ) ، تصديقًا لمعتقده، دون التفات إلى لفظ النفي، لأنّه غير نافٍ في الحقيقة [1] .
ومع تجويز السّهيليِّ الجوابَ بـ (نَعَمْ) في مثل هذه الحالة، يرى أنَّ أكثر العرب على خلاف هذا؛ لأنَّهم يرون مراعاة اللّفظ أولى، لأنّه الظّاهر المسموع، أمَّا اعتقاد المتكلِّم فهو خَفِيٌّ، وقد لا يَفْهَم بعض السّامعين القرينة، ويرى أنَّ القرآن نطق بهذا في قوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ؛ فلم يقولوا: نَعَمْ، وإن كان الكلام ليس باستفهام على الحقيقة، بل هو تقرير على إثبات [2] ، أي: كأنَّ المعنى في قوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} : أنا ربّكم، والجواب على هذه الأخيرة بـ (نعم) ليسَ كفرًا [3] .
ز. الفرق بين: (السّين) ، و (سَوْفَ) :-
قال القرافيّ: «إذا قلتَ: سَيقومُ زيدٌ، و: سوفَ يقومُ عمرٌو، كان قيامُ زيدٍ قبلَ قيامِ عمرٍو، وعمرٌو بَعْدَه؛ لأنَّ (سَوْفَ) أكثرُ تنفيسًا من السّين.» [4] .
وكون (سوف) أكثرَ تنفيسًا من السّين: قضيةٌ خلافيّة بين العلماء؛ فقد «ذهب البصريّون إلى أنَّ مدّة الاستقبال معها أوسعُ من السّين» [5] ، «ومِمَّن صَرَّحَ بالتفاوت بينهما الزّمخشريّ، وابن الخشّاب في شرح الجمل، وابن يعيش، وابن أبان، وابن بابشاذ، وابن عصفور، وغيرهم.» [6] . ومَنَعَ ابنُ مالك (672هـ) كون التراخي في (سوفَ) أكثرَ؛ ووصَفَ القولَ بذلك بأنَّهُ «دعوى مردودةٌ بالقياس والسّماع؛ فالقياس: أنَّ الماضي والمستقبَل متقابلانِ، والماضي لا يُقْصَد به إلا مُطْلَقُ المضيّ دون تعرّض لقُرب الزّمان وبُعدِهِ، فينبغي ألاّ يُقْصَدَ بالمستَقْبَل إلاّ مطلقُ الاستقبال، دون تعرّض لقرب الزّمان وبُعْدِهِ، ليجريَ المتقابلان على سَنَنٍ واحدٍ، والقولُ بتوافق (سَيَفعل) و (سوف يفعلُ) مصحِّحٌ لذلك، فكان المصيرُ إليه أولى، وهذا قياس. وأمَّا
(1) ينظر: أمالي السّهيليّ: 45 - 46.
(2) ينظر: أمالي السّهيليّ: 46.
(3) ينظر: الفروق اللّغويّة وأثرها في تفسير القرآن الكريم: 296.
(4) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق بين قاعدتي التّرتيب بالأدوات اللّفظيّة، والتّرتيب بالحقيقة الزّمانيّة) : 1/ 228.
(5) الأشباه والنّظائر في النّحو: 4/ 106.
(6) البرهان في علوم القرآن: 4/ 282.