السّماع؛ فإنَّ العرب عَبَّرَت بـ (سيفعل) و (سوف يفعل) عن المعنى الواحد الواقع في وقت واحد، فَصَحَّ بذلك توافقهما وعدمُ تخالفِهِما؛ فمن ذلك قوله تعالى: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (النّساء: 146) ، وقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} (النّساء: 175) ، وقوله تعالى: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} (النبأ: 4) ، و {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (التّكاثر: 3) ، ومنه قول الشّاعر:-
وما حالةٌ إلاّ سَيُصْرَفُ حالُها ... إلى حالةٍ أُخرى وسوفَ تَزُولُ
فهذا كلّه صريح في توافق (سيفعل) و (سوف يفعل) في الدّلالة على مطلق الاستقبال، دون تفاوت في قرب وبُعد، إلاّ أنَّ (سيفعل) أخفُّ، فكان استعمالُها أكثر.» [1] .
وتبنّى هذا الرأيَ ابنُ هشام (761هـ) أيضًا؛ فَذَكَرَ عن السّين أنَّهُ ليس «الاستقبالُ معه أضيقَ منها مع (سوف) ، خلافًا للبصريّين» [2] ، ثم عَلَّلَ قولَ المخالفينَ بقوله: «وكأنّ القائلَ بذلك نَظَرَ إلى أنَّ كثرة الحروف تدلّ على كثرة المعنى، وليس بمطَّرِد.» [3] .
ودافَعَ الزّركشيُّ (794هـ) عن القول بتخالف السّين و (سوف) ، ورَدَّ قول ابنِ مالك (672هـ) ، مبيِّنًا وجهة نظره في الآيات التي احتجّ بها الأخير؛ فقال: «ولابُدّ من دليل على أنَّ قوله تعالى: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ} (النّساء: 146) ، وقوله: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} (النّساء: 175) مُعَبَّرٌ به عن معنًى واحد، ولمانعٍ أن يمنعه مستَنِدًا إلى أنَّ الله تعالى وَعَدَ المؤمنين أحوالَ خير في الدّنيا والآخرة؛ فجاز أن يكون ما قُرِنَ بالسّين لما في الدّنيا، وما قُرِنَ بـ (سوف) لما في الآخرة. ولا يخفى خروجُ قوله: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} (النّبأ: 4) ، وقوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} (التّكاثر: 3) عن دعواه؛ لأنَّ الوعدَ والوعيدَ مع (سوف) لا إسكانَ فيه [4] ،
(1) شرح التّسهيل: 1/ 26 - 27.
(2) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 275.
(3) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 276.
(4) أظنّه: لا إشكال فيه.