ومع السّين للمبالغة وقصد تقريب الوقوع، بخلاف: (سيقوم زيدٌ) ، و: (سوف يقوم) ؛ ممّا القصدُ فيه الإخبارُ المجرّدُ.» [1] .
والرّاجح - عندي - والله أعلم: أنَّ (سوف) اكثرُ تنفيسًا من السّين؛ إذ إنَّ لفظ (السَّوْفِ) عمومًا يفيد البُعْدَ؛ فمن معانيه الموتُ، ومِثْلُهُ السَّواف، ومنه قولهم: سافَ المالُ يسوفُ، إذا هَلَكَ. والسَّوْفُ: الشَّمُّ، والصَّبر، والمَسَافُ، والمَسَافَةُ، والسِّيْفَةُ: البُعْدُ؛ لأنَّ الدّليل إذا كان في فَلاةٍ شَمَّ ترابَها لِيَعْلَمَ أعَلَى قَصْدٍ أم لا، فكثُرَ الاستعمالُ حتّى سَمَّوا البُعْدَ مَسَافةً [2] . وقال السُّهَيليُّ (581هـ) في هذا المعنى: «وأمَّا (سوف) فحَرْفٌ، ولكنه على لفظ (السَّوْف) الذي هو الشّم لرائحة ما ليس بحاضر، وقد وَجِدَتْ رائحتُهُ، كما أنَّ (سوفَ) هذه التي هي حرف، تدلّ على أنَّ ما بعدَها ليس بحاضر، وقد عُلِمَ وقوعُهُ وانتُظِرَ إبّانُهُ ولا غَرْوَ أن يتقاربَ معنى الحرف من معنى الاسم المشتقّ المتمكّن في الكلام ... ومن تأمَّلَ هذا المعنى في الحروف والأسماء المضارعة لها ألفاه كثيرًا.» [3] .
«وباعتبار المماطلة والتّأخُّر قالوا: سَوَّفْتُهُ، أي: وَعَدتُهُ وعدًا ماطَلْتُهُ بوفائه، وقلتُ له: سوفَ أفعلُ كذا» [4] ، فالتّسويف مشتق من (سوف) [5] . ويُزادُ على ذلك أنَّ دلالة الأداتين متباينة من حيثُ الاستعمالُ في القرآن الكريم، وذلك على وَفق ما يأتي:-
1.أنَّ التّراخي في (سوف) أشدُّ منه في السّين؛ «وممّا يدلّ على ذلك قوله تعالى على لسان يعقوبَ - عليه السلام: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} (يوسف: 98) ، وقوله على لسان إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} (مريم: 47) ؛ فجاء بوعد يعقوب بـ (سوف) ، ووعد إبراهيمَ بالسّين، لأنَّ وعدَ يعقوبَ أطولُ من وعدِ إبراهيمَ،
(1) البرهان في علوم القرآن: 4/ 282 - 283.
(2) ينظر: القاموس المحيط: 2/ 1095.
(3) نتائج الفكر في النّحو: 96.
(4) عمدة الحفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1275 - 1276.
(5) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 436.