مع استوائهما في أنَّ كلّ واحد منهما موضوع لمعنًى كلّيّ، وأنّ كلّ واحِدٍ منهما يَصْدُقُ على ما لا نهايةَ له؟» [1] .
وقد أجابَ القرافيّ عن هذا الإشكال بأنّ الوَضعَ فَرعُ التَّصَوُّرِ؛ فإذا اسْتَحْضَرَ الواضعُ صورة (الأسَد) - مثلًا - لغرض الوَضْع، فالصورة الحاصلة في ذهنه فَرْدٌ مُشَخَّصٌ من أفراد تَصَوُّر (الأسَد) ، كما أنَّ (الأسَد) المشارَ إليه في الخارج المُشَخَّصِ فَردٌ من أفراد (الأسَد) . ويَدُلُّ على ذلك - عند القرافيّ - أنَّ الواضعَ قد يَذْهَل عن هذه الصّورة، ثم يتصوّرُ الأسَدَ مَرَّةً أُخرى، فتكون هذه الصّورةُ الثّانية فردًا آخَرَ مثلَ الأُولى، وهكذا إلى أفرادٍ كثيرةٍ من الصّوَر الأُخرى، وكذلك يكون في ذهن غيرِهِ من الواضِعينَ صورة (الأسَد) في الوقت نَفْسِهِ، فتكون الصّورتان فَردينِ من أفراد تَصَوُّر (الأسَد) . فَعُلِمَ أنَّ الحاضِرَ في ذهن الواضِعِ حالَ الوضعِ: صورةٌ مُشَخَّصَةٌ من أفراد تصوّر (الأسَد) ، وهي تشتمل على تصوّرٍ مُطْلَقٍ لصورة (الأسَد) في الوقت نفسه، فالصورة لها خصوص، هو تَشَخُّصُها، ولها عموم، هو نَوْعُها؛ فللواضعِ أن يَضَعَ للصّورةِ حينئذٍ اسمًا من جهة خصوصها، كما يَضَعُ لفظَ (زيد) لشخص (زيد) في الخارج، كما له أن يَضَعَ لها اسمًا من جهة (عمومها) ، كما يَضَعُ لفظ (الإنسان) للقَدْر المشترك من (زيد) و (عمرو) . فإن وَضَعَ لها من جهة عُمومها فاللّفظُ الموضوعُ حينئذٍ اسم جنس، نحو (أسَد) ، وإن وَضَع لها من جهة كونها تلك الصّورة الخاصّة، فاللّفظ الموضوعُ حينئذ هو عَلَم الجنسِ، نحو (أُسامة) . فالفرق - على ذلك - بين عَلَم الجنس واسم الجنس: أنَّ اسم الجنس موضوعٌ للقَدْرِ المشتَرَك بين الصُّوَر الذهنيّة، مع قطع النّظر عن الخصوص. أمَّا عَلَم الجنس، فهو موضوع للقدر المشترك بقيد الخصوص الذهنيّ الذي هو التشخّص في الذّهن [2] . ولم يرتضِ القرافيّ تفريق مَنْ فَرَقَ بينهما بأن العَرَبَ صَرَفَتْ لفظ (أسَد) ، ولم تصْرِف لفظ (أُسامة) ، وليس المانعُ من الصّرف إلاّ العَلَميّةَ والتّأنيثَ، فَدَلَّ ذلك - عندهم - على عَلَمِيَّةِ
(1) العقد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 200.
(2) ينظر: العِقْد المنظوم في الخصوص والعموم: 1/ 201 - 202.