الافتخار إنّما يكون بالتّكاثر، ومميّزُ العدد الكثير مخفوضٌ، نحو: ألفِ درهمٍ، ومئةِ دينارٍ، وقد يُتَوسّع فيها فيُعكَسُ.» [1] .
والتّوسع الذي ذكره القرافيّ عَرَضًا، فَصَّلَ ابنُ هشام القولَ في ضوابطه؛ فقال: (إنَّ تمييز الخبريّة واجب الخفض، وتمييز الاستفهامية منصوب ولا يجوز جَرُّهُ مطلقًا، خلافًا للفرّاء والزّجّاج وابن السّرّاج وآخَرينَ، بل يُشترَطُ أن تُجَرَّ(كم) بحرف جرّ، فحينئذٍ يجوز في التّمييز وجهان؛ النّصب، وهو الكثير؛ والجرّ، خلافًا لبعضهم، وهو بـ (مِنْ) مُضْمَرة وجوبًا، لا بالإضافة، خلافًا للزّجّاج ... وزعم قومٌ أنَّ لغة تميم جواز نصب تمييز (كم) الخبريّة إذا كان الخبر مفردًا، ورُوِيَ قول الفرزدق: [الكامل]
كَمْ عَمَّةً لكَ يا جَريرُ وخالةً ... فَدْعَاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشارِي [2]
بالخفض على قياس تمييز الخبريّة، وبالنّصب على اللُّغة التّميميّة، أو على تقديرها استفهاميةً استفهامَ تهكم؛ أي: أخبرني بعدد عمّاتك وخالاتك اللاتي كُنَّ يَخْدِمْنَني، فقد نسيتُهُ.» [3] . وإذا كان الفرق الذي ذَكَرَهُ القرافيّ هنا بين (كم) الاستفهاميّة، و (كم) الخبريّة مبنيًا على النّظر في إعراب التّمييز بعدهما، وهو ممّا شاعَ في الدّرس النّحويّ؛ فإنَّهُ قد فَرَقَ بينهما في موضعٍ آخر من زاويةٍ لم يتطرّق إليها معظم النّحويّين، وكَثُرَ اهتمام الأُصوليّين بها، وهي زاوية العموم والخصوص فيهما؛ فقال: « (كم) الاستفهاميّة ... يَعُمّ فيها الاستفهامُ مراتبَ الأعداد، كما يعمّ (أين) المكانَ، و (متى) الزّمانَ، و (كيفَ) الأحوالَ، بخلاف (كم) الخبريّة؛ فإنّها تتناول الإخبارَ عن عدد محصور، والمحصور لا عمومَ فيه، كقولك: كم مالٍ أنْفَقْتُهُ، وكم عَبْدٍ أعتَقْتُهُ؛ فإنَّ الأموال المُنْفَقَة والعبيدَ المُعْتَقَة محصورة، وكذلك لو قلتَ: كم مالٍ
(1) القواعد الثّلاثون في علم العربيّة: 229 - 230.
(2) شرح ديوان الفرزدق: 451، وفيه: (كم خالةٍ لكَ يا جريرُ وعمةٍ) . وينظر: الكتاب: 2/ 162، و: المعجم المفصَّل في شواهد النحو الشعريّة: 1/ 406.
(3) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 372 - 373.