صَرَّحَ الشّلوبين وابن مالك في بيت أبي النّجم بأنَّهُ لا فَرْقَ في المعنى بينَ رفع (كلّ) ونصبه.» [1] ، ولكنّه رَدَّ قولهما، قائلًا: «والحقُّ ما قالهُ البيانيّون.» [2] .
ثمّ أورد ابن هشام آيةً قد تُشْكِلُ على قول البيانيّين باديَ الرّأي، وهي قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد: 23) ، وأجاب عنها بـ «أنَّ دلالة المفهومِ إنّما يُعَوَّلُ عليها عند عدم المُعارِضِ، وهو هنا موجود؛ إذ دَلَّ الدّليل على تحريم الاختيال والفخر مطلقًا.» [3] .
ومن أكثر المعاصرين تحمّسًا لإبطال هذه القاعدة محمّد الطّاهر بن عاشور، الذي ذَكَرَ عند تفسير قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كلّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} (البقرة: 276) أنَّ مفادَ هذا التّركيب هو: أنَّ الله لا يُحب أحَدًا من الكافرينَ الآثمينَ، وعَلَّلَ ذلك بقوله: «لأنَّ (كلّ) من صيغ العموم، فهي موضوعة لاستغراق أفراد ما تُضافُ إليه، ... ولذلك يقولون: هي موضوعة للكلّ الجَميعيّ، وأمَّا الكلّ المجموعيّ فلا تُسْتَعمل فيه (كلّ) إلاّ مجازًا. فإذا أُضيفَتْ (كلّ) إلى اسم، استَغْرَقَتْ جميعَ أفراده، سواء ذلك في الإثبات وفي النّفي ... ولا تَخْرُجُ (كلّ) عن إفادة العموم إلاّ إذا استعملها المتكلّم في خبر يريدُ بِهِ إبطال خبر وَقَعَتْ فيه (كلّ) صريحًا أو تقديرًا؛ كأن يقول أحد: كلّ الفقهاء يُحَرِّمُ أكلَ لحومِ السّباع، فتقول له: ما كلّ العلماءِ يُحَرِّمُ لحومَ السِّباع» [4] . ثمّ أخذ يَرُدُّ على عبد القاهر
الجرجانيّ ذاكرًا أنَّ الذي دعاه إلى القول بالقاعدة أنَّهُ نَظَرَ إلى هذا الاستعمال الأخير الذي ذَكَرَهُ ابن عاشور، فَطَرَدَهُ في استعمال (كلّ) إذا وَقَعَتْ في حيّز النّفي بعد أداة النّفي [5] .
(1) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 399.
(2) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 399.
(3) مغني اللّبيب عن كتب الأعاريب: 1/ 399.
(4) التّحرير والتّنوير: 2/ 558 - 559.
(5) ينظر: التّحرير والتّنوير: 2/ 559.