فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 463

ويمكن الاستفادة من ملاحظة ابن عاشور الأخيرة في القول إنَّ السَّلْبَ ينبغي أن يكون واقعًا على العموم نَفْسِهِ، لا على ما يَقَعُ العمومُ في حيِّزِهِ، ليمكنَ القول بانطباق القاعدة واطِّرادِها. وبهذا يمكن دَفع الإشكال الذي قد يبدو في قوله تعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد: 23) ، وذلك بالقول إنَّ الآيةَ ليست من «سلبِ العموم الذي تَسْبِقُ فيه أداةُ السّلبِ أداةَ العموم؛ لأنَّ السلبَ في قوله عز وجل: {لاَ يُحِبُّ} ليس واقعًا على العموم في قوله: {كلّ مُخْتَالٍ} ، وإنّما هو واقع على المحبّة ... ، وقوله: {كلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} قد جاء مفعولًا به للمحبّة المنفيّة، لذلك فإنَّ لفظة (كلّ) تبقى على عمومها ولا تتأثّر بالسّلب ... فالجملة في قوّة قولنا: (كلّ مختال فخور لا يحبُّهُ اللهُ) ، فهذه الآية إذًا من عموم السّلب لا من سلب العموم.» [1] .

وأمَّا قول القرافيّ عن (كلّ) إنَّهُ لا يختلف النّفي في التّقديم والتّأخير إلاّ فيها خاصّةً، فقد رَدَّه الزّركشيّ (794هـ) بقوله: «تَقَدَّمَ عن القرافيّ التّصريحُ بأنّ هذا الفرق بين تَقَدّم النّفي وعدمه من خصائص (كلّ) ، والظّاهر أنَّهُ لا يختصّ؛ بل كلّ ما دَلَّ على متعدّد أو مفرد ذي أجزاءٍ كذلك؛ فإذا قلتَ: ما رأيتُ رجالًا، أو: ما رأيتُ رجلينِ، أو: ما أكلتُ رغيْفًا، أو: ما رأيتُ رَجُلًا وعمرًا، كلّ ذلك سلبُ المجموع، لا لكلّ واحد، بخلاف ما لو تقدّمَ السّلب.» [2] .

ل. الفرقُ بينَ: (افْعَلْ) ، و (كُنْ فاعلًا) :-

ذَكَرَ القرافيّ أنَّ الفرقَ بينَ قولنا: (افْعَلْ) ، وبينَ قولنا: (كُنْ فاعلًا) : أنَّ الأوّل - عند بعضهم - للتّكرار في الفعل، والثّاني للتّكرار في الكون، فيكون عمومُهُ في أفراد الكَوْن، ويكون مُطْلَقًا في الفعل؛ لأنَّ العامّ في الأشخاص مُطْلَقٌ في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلّقات، وكذلك العامّ في الأزمان من الأكوان مُطْلَقٌ في المتعلّقات، فيقتضي (كُنْ فاعلًا) كلّ الأكوان باعتبار فِعْلٍ واحد، بخلاف (افْعَلْ) يقتضي كلّ الأفعال في أزمنة الإمكان [3] .

(1) تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم (الهامش) : 276 - 277.

(2) البحر المحيط في أُصول الفقه: 3/ 69 - 70.

(3) نفائس الأُصول في شرح المحصول (الأمر لا يفيد التّكرار) : 3/ 1342 - 1343.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت