فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 463

وذَكَرَ القرافيّ مُرَجِّحًا آخَرَ لما اختارَهُ من تعريف الدّلالة، هو: أنَّ فَهْمَ السّامع حالَةُ مُطاوَعَةٍ؛ لأنّك تقول: أفْهَمَني فَفَهِمْتُ، كما تقول: كَسَرْتُهُ فانكَسَرَ، ودَفَعْتُهُ فانْدَفَع، وعَلَّمْتُهُ فَتَعَلَّمَ. فالإفهام صفةٌ للّفظ، والفَهْمُ أثَرُهُ، وهو صفة للسّامع [1] .

وقد اعترضَ بعضُهُم على التّعريف الثّالث الذي اختارَه القرافيّ بأنَّهُ يقتضي أن لا فَرْقَ بين دلالة اللّفظ والدّلالةِ باللّفظِ، وهو الفرق الذي حَرَصَ القرافيّ على إيضاحه وتبيينِهِ؛ لأنَّ إفهامَ السّامع هو صفة للمتكلّم، كما هو شأنُ الدّلالةِ باللّفظِ، وحقيقتها [2] .

والحَقُّ أنَّ القرافيّ لم يَقُل إنَّ إفهام السّامع هو صفة للمتكلّم، بل كان واضحًا جدًا في تحديده إيّاه بأنَّهُ صفةٌ للّفظ - كما تقدّمَ النّقل عنه -. أمَّا الدّلالة باللّفظ فقد عَرَّفَها - كما ذَكَرْتُ ذلك في موضِعِهِ من هذا البحث - بأنّها: استعمالُ اللّفظ إمّا في موضوعه وهو الحقيقة، أو في غيرِ موضوعِهِ وهو المجاز [3] ، فهي - إذًا - صفة للمتكلّم، وسواءٌ أقيلَ إنَّ دلالةَ اللّفظِ هي فَهْمُ السّامع أمْ قيل إنَّها إفهامه؛ إذ هي صفة السّامع أو اللّفظ، أمَّا الدّلالة باللّفظ فهي صفة المتكلّم قولًا واحدًا، فلا يَصْلُح هذا الموضع - في نظري - لأن يكون موضعَ مؤاخذة للقرافيّ [4] .

غيرَ أنَّ الذي يستحقُّ أن يكون موضعَ مؤاخذة - عندي - هو أنَّ القرافيّ لم يلتزم تعريفَهُ لمّا أراد أن يذكر الفرقَ بين دلالة اللّفظ والدّلالة باللّفظ؛ فقد ذَكَرَ الفرقَ استنادًا إلى التّعريف الأوّل الذي لم يرتضِهِ، وهو أنَّ دلالة اللّفظ هي فَهْمُ السّامع، فَذَكَرَ - من ثمّةَ - بعضَ الفروق التي لا تستقيم على تعريفه الذي اختارَهُ

(1) ينظر: شرح تنقيح الفصول (في الدّلالة وأقسامها) : 23 - 24، و: نفائس الأُصول في شرح المحصول: 2/ 561 - 563، و: شهاب الدّين القرافيّ حياته وآراؤه الأُصوليّة: 145 - 147.

(2) ينظر: رفع النّقاب عن تنقيح الشّهاب: 1/ 211.

(3) ينظر: شرح تنقيح الفصول (في الدّلالة وأقسامها) : 26.

(4) ينظر: البحر المحيط في أُصول الفقه: 2/ 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت