بغير المعاني جفافٌ قاحلٌ، والمعاني بغير النّحو أحلامٌ طافيةٌ، ينأى بها الوهمُ عن رصانة المطابقة المعرفيّة، وينحاز بها إلى نزوات الذوق الفرديّ» [1] .
وقد تناثرت الإشارات إلى الفروق المبنيّة على معاني النّحو في كتب الكثير من النّحويّين قبل القرافيّ؛ فقد كان سيبويه (180هـ) من أوائل الذين ظهرَتْ هذه الفروق عندهم، ومن أمثلة ذلك عنده: قولُهُ في باب (الأفعال التي تُسْتَعْمَل وتُلْغَى) - بعدَ أن ذَكَرَ أنَّ الإلغاء مع تأخير هذه الأفعال أقوى منه حين تتوسط: «وإنّما كان التأخيرُ أقوى، لأنَّه إنّما يجيءُ بالشّكّ بَعْدَ ما يَمضي كلامهُ على اليقينِ، أو بَعْدَ ما يبتدِئ وهو يريدُ اليقين، ثم يُدْرِكُهُ الشّكّ ... ، فإذا ابتدأ كلامهُ على ما في نيّتِهِ من الشّكّ، أعْمَلَ الفِعْلَ قَدَّمَ أو أخَّرَ، كما قال: زيدًا رأيتُ، ورأيتُ زيدًا، وكلّما طال الكلام ضعف التأخيرُ إذا أعمَلْتَ؛ وذلك قولك: زيدًا أخاك أظنُّ؛ فهذا ضعيف، كما يضْعُفُ: زيدًا قائمًا ضَرَبْتُ؛ لأنَّ الحدَّ أن يكونَ الفعلُ مبتدأً إذا عَمِلَ» [2] . فالتقديم هنا لعامل نفسيّ طرأ على المتكلِّم في أثناء كلامه، وحَوَّلَ يقينَه إلى شكّ، فألزَمَه تغييرَ وَضع الألفاظ عمَّا كان ينبغي أن تكون عليه [3] .
وقد عُني بعض النّحاة بعد سيبويه بالكشف عن الفروق الدّلاليّة للأوضاع النّحويّة للتركيب؛ فقد روى الزَّجّاجيّ (337هـ) أنَّ أبا العبّاس المبرّد (285هـ) قال: «الفرق بين: (ضَرَبْتُ زيدًا) ، و: (زيدٌ ضَرَبْتُهُ) : أنَّك إذا قلتَ: (ضَرَبْتُ زيدًا) ، فإنَّما أردتَ أن تخبرَ عن نفسك، وتثبتَ أين وَقَعَ فعلك، وإذا قلْتَ: (زيدٌ ضربْتُهُ) ، فإنَّما أردتَ أن تخبرَ عن زيد» [4] .
غيرَ أنَّ الذي تولى كِبْرَ التأليف في هذا الجانب من الفروق اللّغويّة، وكان فارِسَه المُجَلِّي هو عبد القاهر الجرجانيّ (471هـ) ، الذي أفادَ من ملاحظات السابقين في هذا الشان، وفاقَهُم في بلورة تصوّرٍ نظريٍّ شامل للموضوع، مُرْدَفٍ بعدد كبير من الأمثلة التطبيقيّة التي أراد لها أن تُغَطِّيَ جانبًا كبيرًا من الكلام البليغ.
(1) الأُصول لتمام حسان: 344.
(2) الكتاب: 1/ 120.
(3) ينظر: أثر النّحاة في البحث البلاغيّ: 90.
(4) الإيضاح في علل النّحو: 136 - 137.